واتّفق الحال على أن أدفع لها خمسين دينارا صوريّة ، فوزنتها وسلّمتها للعجوز ، فقالت : نحن اللّيلة عندك. فمضيت وجهّزت ما قدرت عليه من مأكول ومشروب وشمع وحلوى ، فجاءت الإفرنجيّة فأكلنا وشربنا ، وجنّ الليل ولم يبق غير النوم ، فقلت في نفسي : أما تستحي من الله! وأنت غريب تعصي الله مع نصرانيّة! اللهم إني أشهدك أني قد عففت عنها في هذه الليلة حياء منك وخوفا من عقابك.
ثم نمت إلى الصّبح ، وقامت في السّحر وهي غضبى ، ومضت ومضيت أنا إلى حانوتي. فجلست فيه وإذا هي قد عبرت عليّ ، هي والعجوز وهي مغضبة وكأنها القمر ، فقلت في نفسي : من هو أنت حتى تترك هذه البارعة في حسنها؟! ثم لحقت العجوز وقلت : ارجعي. فقالت : وحقّ المسيح ما أرجع إليك إلّا بمائة دينار! فقلت : نعم رضيت ؛ فوزنت مائة دينار.
فلمّا حضرت الجارية عندي لحقتني الفكرة الأولى ، وعففت عنها وتركتها حياء من الله تعالى ، ثم مضت ومضيت إلى موضعي ، ثم عبرت بعد ذلك عليّ ، وكانت مستعربة (١) ، فقالت : وحقّ المسيح ما بقيت تفرح بي عندك إلا بخمسمائة دينار أو تموت كمدا ، فارتعت لذلك وعرفت أنني أصرف عليها ثمن الكتّان جميعه.
فبينما أنا كذلك والمنادي ينادي : معاشر المسلمين ، إن الهدنة التي بيننا وبينكم قد انقضت ، وقد أمهلنا من هنا من المسلمين إلى جمعة.
فانقطعت عني ، وأخذت أنا في تحصيل ثمن الكتّان الذي لي ، والمصالحة على ما بقي منه ، وأخذت معي بضاعة حسنة ، وخرجت من عكّا وفي قلبي من الإفرنجية ما فيه ، فوصلت إلى دمشق ، وبعت البضاعة بأوفى ثمن بسبب الهدنة ومنّ الله عليّ بكسب وافر ، وأخذت أتّجر في الجواري لعلّه يذهب ما بقلبي من الإفرنجيّة.
__________________
(١) كذا في المطبوع ، وتعني : تجيد العربية ، أو لعل الكلمة مصحّفة عن : مستغربة؟