تؤلّف هذه الواقعة نقطة انعطاف في تاريخ الدّولة المملوكية ، ما بين مرحلتي حكم المماليك البحرية من الأتراك ، وحكم المماليك البرجية من الچراكسة. حيث أن أول سلاطين الچراكسة ، الظاهر برقوق ، قوبل بالرّفض من قبل طبقة الأمراء المماليك في دمشق ، إبّان عهد نائبها بيدمر وخلفه بزلار. ورام هؤلاء الأمراء خلع السّلطان الجديد ، وألّبوا عليه بلاد الشّام بأسرها ، وكان المحرّك الأكبر لجبهة المعارضة الأمير المملوكي منطاش نائب ملطية.
ثم انتهت أحداث وقعة منطاش ، بانتصار قوّات السّلطان القوي برقوق عليه عام ٧٩٢ ه ، وإعدامه بحلب عام ٧٩٥ ه ، بعد إخماد ثورته بكل قسوة وعنف ، لقيت منهما المدينة المقهورة كل عسف وتخريب ، على اعتبارها كانت مركز النشاط السّياسي المعادي لبرقوق.
ويظهر لنا جليّا مدى ما عانته دمشق إبّان ذاك ، من خلال وصف ابن حجّة في رحلته ، وإن كانت تغلب على نصّه أساليب التكلّف والسّجع الأدبي المملّ ، وما يلحق بذلك من أبواب الجناس والاقتباس والتضمين. هذا فضلا عن أن الضرورة الأدبيّة ذاتها قد كانت دعته إلى المبالغة الزائدة في وصفه.
غير أن المؤلف في غمرة تباكيه على دمشق يومذاك واستفظاعه لما أصابها من جور وإذلال ، لم يكن يعرف أن الدّهر كان يبيّت لها كارثة أشدّ ومصيبة أدهى ، بعد اثني عشر عاما فقط ، وهي كارثة وقوعها بيد الطاغية المغولي تيمورلنك ، ودمارها بالكامل على يديه عام ٨٠٣ ه. وسيمرّ بنا في كتابنا هذا بعض الجوانب من تاريخ هذه الكارثة والحوادث السّابقة لها ، في نصّ ابن خلدون.
وفي نصّ الحموي نلمح كثيرا من أسماء الأماكن بدمشق المملوكية ، ما برح بعضها معروفا إلى أيامنا وزال بعضها الآخر. وفي وجه العموم لا يخلو هذا النصّ من فائدة ، مما أدّى إلى انتشاره في عصره بنسخ مخطوطة كثيرة عثرت على بعضها ، منها نسخة في المكتبة الظاهريّة بدمشق ، وأخرى في مكتبة الدّولة في برلين بألمانيا.