في هذه الحياة الخصيبة التي أمضاها بمصر والشّام ، شغل ابن حجّة بالتّصنيف ، فوضع كثيرا من الكتب والرسائل ومختارات من الشعر والنثر. ومن أخصّ مؤلفاته : «خزانة الأدب» و «ثمرات الأوراق ، وذيله» و «كشف اللثام عن وجه التّورية والاستخدام» و «حديقة زهير» و «تأهيل الغريب» و «الثّمرات الشهيّة من الفواكه الحمويّة» و «مجرى السّوابق» و «تغريد الصّادح» و «قهوة الإنشاء» ، الذي جمع فيه ما أنشأه من التقاليد السّلطانية والمناشير الملوكية.
وأما كتابه «ثمرات الأوراق» الذي نحن بصدده الآن ، فهو أشهر كتبه قاطبة وكان أول ما نشر من آثاره ، حيث طبع بالمطبعة الوهبيّة بمصر في عام ١٣٠٠ ه ، ثم أعيد طبعه على هامش كتاب «المستطرف» للأبشيهي بالمطبعة العثمانيّة بالقاهرة عام ١٣١٥ ه. وهو بوجه العموم من كتب المجاميع الأدبية ، على نسق الكامل للمبرّد وعيون الأخبار لابن قتيبة والعقد الفريد لابن عبد ربّه ، ضمّن فيه مؤلّفه طرفا ونوادر وأخبارا أدبية منقولة عن غيره ، بالإضافة إلى روايات نقلها بالمشافهة أو شهدها بنفسه مما وقع في عصره بمصر والشّام.
* * *
والذي يعنينا هنا من الكتاب هو نصّ الرّحلة الشهيرة التي قام بها الرّجل من مصر إلى الشّام عام ٧٩١ ه ، وكان عمره ٢٤ عاما ، فرأى بها رأي العين الأحداث الدّامية التي رافقت حصار قوات السّلطان الظاهر برقوق لمدينة دمشق إبّان عصيانها وخروجها عن طاعة القاهرة ، عاصمة السّلطنة المملوكية.
هذه الواقعة عرفت لدى مؤرّخي ذلك العصر باسم «وقعة منطاش» ، وفيها شهدت دمشق خرابا ودمارا كبيرين وعدّة حرائق ، كما ذكر المؤرّخ الدّمشقي ابن صصرى في كتابه النّفيس «الدّرّة المضيّة في الدّولة الظاهريّة» ، وهو أهمّ من أرّخ لهذه الوقعة بالتفاصيل الحيّة الوافية. وكذلك ترد أخبارها في «إنباء الغمر بأنباء العمر» لابن حجر العسقلاني (الجزء ٢ من طبعة حيدرآباد) ، وفي «السلوك لمعرفة دول الملوك» للمقريزي ، وتاريخ ابن قاضي شهبة.