والمجالس وتحفّ بها الغراس والنّصوب المطرّزة بالسّرو الملتفّ والحّور الممشوق القدّ والرياحين المتأرّجة الطّيب والفواكه الجنيّة والثمرات الشهيّة ، والأشياء البديعة التي تغني شهرتها عن الوصف ويقوم الإيجاز فيها مقام الإطناب.
[أنهار دمشق]
ومسقى دمشق وبساتينها من نهر يسمّى بردى ، بفتح الباء الموحّدة والراء والدال المهملتين وبآخره ألف ، أصل مخرجه من عينين : البعيدة منهما دون قرية تسمّى الزّبداني ، ودونها عين بقرية تسمّى الفيجة ، بذيل جبل يخرج الماء من صدع في نهاية سفله ، قد عقد على مخرج الماء منه عقد روميّ البناء. ثم ترفده منابع في مجرى النهر ، ثم يقسم النهر على سبعة أنهر ، أربعة غربيّة : وهي نهر داريّا ، ونهر المزّة ، ونهر القنوات ، ونهر باناس ؛ واثنان شرقيّة وهم : نهر يزيد ، ونهر ثورا ، ونهر بردى ممتدّ بينهما.
فأمّا نهر باناس ونهر القنوات فهما نهرا المدينة ، حاكمان عليها ومسلّطان على ديارها. يدخل نهر باناس القلعة ، ثم ينقسم قسمين : قسم للجامع وقسم للقلعة ، ثم ينقسم كل قسم منهما على أقسام كثيرة ويتفرّق في المدينة بأصابع مقدّرة معلومة. وكذلك ينقسم نهر القنوات في المدينة ، ولا مدخل له في القلعة ولا الجامع ، ويجري في قنيّ مدفونة في الأرض إلى أن يصل إلى مستحقّاتها بالدّور والأماكن على حسب التقسيم. ثم تنصبّ فضلات الماء والبرك ومجاري الميضآت إلى قنىّ معقودة تحت الأرض ، ثم تجتمع وتتنهّر وتخرج إلى ظاهر المدينة لسقي البساتين.
وأما نهر يزيد فإنه يجري في ذيل الصالحية المتقدّم ذكرها ، ويشقّ في بعض عمارتها. وأمّا بقية الأنهار فإنها تتصرّف إلى البساتين والغيطان لسقيها ، وعليها القصور والبنيان ، خصوصا ثورا فإنه نيل دمشق عليه جلّ مبانيها وبه أكثر تنزّهات أهلها ، من يراه يخاله زمرّدة خضراء لالتفاف الأشجار عليه من الجانبين.