وأكثر رونقا لتحكّم الماء على مدينتها وتسليطه على جميع نواحيها ، ويستعمل في عمارتها خشب الحور ـ بالحاء والراء المهملتين ـ بدلا من خشب النخل ، إلا أنه لا يغشّى بالبياض ويكتفى بحسن ظاهره. وأشرف دورها ما قرب ، وأجلّ حاضرتها ما هو في جانبيها : الغربي والشمالي.
[قلعة دمشق]
فأمّا جانبها الغربي ففيه قلعتها ، وهي قلعة حسنة مرجّلة على الأرض ، تحيط بها وبالمدينة جميعها أسوار عالية ، يحيط بها خندق يطوف الماء منه بالقلعة ، وإذا دعت الحاجة إليه أطلق على جميع الخندق المحيط بالمدينة فيعمّها. وتحت القلعة ساحة فسيحة بها سوق الخيل ، على جانب واد ينتهي فيه مما يلي القلعة إلى شرفين محيطين به في جهتي القبلة والشمال ، في ذيل كلّ منهما ميدان ممرّج بالنّجيل الأخضر ، والوادي يشقّ بينهما.
[القصر الأبلق]
وفي الميدان القبلي منهما القصر الأبلق ، وهو قصر عظيم مبني من أسفله إلى أعلاه بالحجر الأسود والأصفر بتأليف غريب وإحكام عجيب ، بناه الظاهر بيبرس البندقداري في سلطنته ، وعلى مثاله بنى النّاصر محمّد ابن قلاوون القصر الأبلق بقلعة الجبل بمصر. وأمام هذا القصر دركاه يدخل منها إلى دهليز القصر ، وهو دهليز فسيح يشتمل على قاعات ملوكيّة مفروشة بالرّخام الملوّن البديع الحسن ، مؤزّر بالرّخام المفصّل بالصّدف والفصّ المذهب إلى سجف السقوف. وبالدار الكبرى به إيوانان متقابلان ، تطلّ شبابيك شرقيّهما على الميدان الأخضر ، وغربيّهما على شاطئ واد أخضر يجري فيه نهر. وله رفارف تناغي السحب ، تشرف من جهاتها الأربع على جميع المدينة والغوطة.