وروى الحافظ ابن عساكر عن أبي القاسم تمّام بن محمد : أن بانيها جعل كل باب من هذه لكوكب من الكواكب السبعة وصوّر عليه صورته ، فجعل باب كيسان لزحل ، وباب شرقي للشمس ، وباب توما للزّهرة ، وباب الصغير للمشتري ، وباب الجابية للمرّيخ ، وباب الفراديس لعطارد ، والباب المسدود للقمر.
وعلى كلّ حال فهي مدينة حسنة الترتيب جليلة الأبنية ، ذات حواجز بنيت من جهاتها الأربع. وغوطتها أحد مستنزهات الدنيا العجيبة المفضّلة على سائل مستنزهات الأرض ، وكذلك الرّبوة وهي كهف في فم واديها الغربي عنده تنقسم مياهها ، يقال إن به مهد عيسى عليهالسلام.
وبها الجوامع والمدارس والخوانق والرّبط والزوايا والأسواق المرتّبة ، والديار الجليلة المذهبة السّقف المفروشة بالرّخام المنوّع ، ذات البرك والماء الجاري. وربما جرى الماء في الدار الواحدة في أماكن منها ، والماء محكّم عليها من جميع نواحيها بإتقان محكم.
وهي في وطاءة مستوية من الأرض بارزة عن الوادي المنحطّ عن منتهى ذيل الجبل ، مكشوفة الجوانب لممرّ الهواء (١) إلا من الشمال فإنه محجوب بجبل قاسيون ، وبذلك تعاب وتنسب إلى الوخامة. قال في «مسالك الأبصار» : ولولا جبلها الغربي الملبّس بالثلوج صيفا وشتاء لكان أمرها في ذلك أشدّ وحال سكّانها أشقّ ، ولكنه درياق ذلك السمّ ودواء ذلك الداء. وهي مستديرة به من جميع نواحيه.
قال في «مسالك الأبصار» : وغالب بنائها بالحجر ، ودورها أصغر مقادير من دور مصر ، لكنها أكثر زخرفة منها وإن كان الرّخام بها أقلّ ، وإنما هو أحسن أنواعا. قال : وعناية أهلها بالمباني كثيرة ، ولهم في بساتينهم منها ما تفوق به وتحسن بأوضاعه. وإن كانت حلب أجلّ بناء لعنايتهم بالحجر ، فدمشق أزين
__________________
(١) لولا سلسلتا جبل لبنان لكان هواء الشام أطيب ، لكنها محصورة بين البادية والجبال.