وقال الفاضل صلاح الدّين أبو الصّفاء الصفديّ ، من مقامة أنشأها في الحريق المذكور ، من فصل يتعلق بالجامع :
فسألت الخبر ، ممن غبر ، فقال : إن الحريق وقع قريبا من الجامع ، وانظر الى شبح الجو كيف انتشرت فيه عقائق اللهب اللامع! فبادرت إلى صحنه والناس فيه قطعة لحم ، والقلوب ذائبة بتلك النار كما يذوب الشّحم. ورأيت النار ، وقد نشرت في حداد الظلام معصفرات ذوائبها ، وصعّدت الى السّماء عذبات ذوائبها :
|
ذوائب لجّت في علوّ كأنما |
|
تحاول ثأرا عند بعض الكواكب |
وعلت في الجو كأنها أعلام ملائكة النّصر ، وكان الواقف في الميدان يراها وهي (تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ) ، فكم (زمر) أضحت لذلك (الدّخان) (جاثِيَةً.) وكم نفس كانت في (النَّازِعاتِ) وهي تتلو (هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ!) ولم تزل النار تأكل ما يليها ، وتفني ما يستفلها ويعتليها ، إلى أن ارتفعت إلى المنارة الشرقية (١) ، ولعبت ألسنتها المسودّة في أعراض أخشابها النقيّة ، وثارت إليها من الأرض لأخذ الثأر ، وأصبح صخرها كما قالت الخنساء «كأنّه علم في رأسه نار». فنكّست وكانت للتوحيد سبّابة ، ولمعبدها المطرب شبّابة ، وابتلي رأسها من الهدم والنّار بشقيقه ، وأدار الحريق على دائرها رحيقه :
|
وبالأرض من حبّها صفرة |
|
فما تنبت الأرض إلا بهارا |
وأصبح «باب الساعات» وهو من آيات الساعة ، وخلت «مصاطب الشهود» من السنّة والجماعة ، وعادت «الدّهشة» ، وقد آل أمرها إلى الوحشة ، وحسنها البديع وقد ثلّت النار عرشه. كأن لم أر بها سميرا ، ولا شاهدت من بنائها وقماشها جنّة وحريرا.
__________________
(١) من خلال وصف ابن كثير وابن قاضي شهبة لحريقها في سنة ٧٤٠ ه وترميمها ، يتأكّد لنا أن القائم اليوم يمثّل ٩٠% من هذا الترميم المملوكي ، فيما خلا رأس المئذنة كما يبدو في لوحة الرسّام البندقي عام ١٥١١ م. ونجمتها السّداسيّة عنصر زخرفي لا أكثر.