قال ابن عساكر : ثم سقطت عمدها وما عليها في حريق اللبّادين ورواق دار الحجارة ودار خديجة ، في سنة اثنتين وستين وخمسمائة.
قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي : ثم عمل لها الشّاذروان ، في آخر دولة الملك العادل سنة نيّف عشرة وستمائة.
قال : ورأيت القصعة وهي أكبر من التي في وسط طهارة جيرون. وفي زنّارها الأوسط ستّ أنابيب صغار ، تفور حول الفوّارة ، وعليها درابزينات. فلما احترقت اللّبادين سنة إحدى وثمانين وستمائة ، تلفت هذه القصعة وبني عوضها هذه البركة المثمّنة. وينبع الماء في هذه البركة من قناة دفنت إليها من مكان مرتفع. فيعلو بها الماء نحو قامة. وسمعة الفوّارة أعظم من مرآها ، واسمها أجلّ من معناها.
قلت : ولما وقع الحريق سنة أربعين وسبعمائة (١) بسوق الدّهشة والطرائفيين ، وتشعّث وجه الجدار الذي للمشهد المعروف بأبي بكر ، وتعلّت شرر النار حتى وصلت إلى دائر المنارة الشرقية وشرعوا في إصلاح ما وهى من ذلك ، وجدوا أعاليها متداعية ، وحجارتها مفخّرة مفطّرة.
فوقف عليها الحكام وقامت البيّنة بالضرورة الدّاعية إلى نقض المنارة وتجديد بنائها. فنقضت جدرها الأربعة إلى حد أوتار الرّواق القبليّ ، ونقض الجدار القبلي والجدار الشرقي إلى الأرض ، وحفر ما بين الجدران في وسط المنارة عدّة قامات. وبني ذلك لبنة واحدة ، وبنيت المنارة بنيانا جليلا لم يبن من زمن الوليد أجلّ منه ولا أوثق.
__________________
(١) يريد واقعة إحراق الجامع الأموي عام ٧٤٠ ه على أيدي عميلين فرنجيين. وفي نصّ ابن فضل الله هذا فوائد بليغة حول إعادة إعمار ما تخرّب ، وبخاصّة المنارة الشرقية. وذكر الواقعة الحافظ عماد الدّين ابن كثير في البداية والنّهاية ، بمطلع حوادث سنة ٧٤٠ ه. كما أن مؤرّخ مصر الكبير تقيّ الدّين المقريزي ذكر وقائعها في موسوعته التاريخية الإدارية كتاب السّلوك لمعرفة دول الملوك ، ٢ / ٢ : ٤٩٦. وسأقدّم في الجزء الثالث من كتابي هذا بحثا مفصّلا لهذه الواقعة ، مع محضر رسمي كتب عنها في حينها.