وقال جمال الدّين عبد الله بن غانم ، من كتاب عن كافل الشّام تنكز (رحمهالله) إلى نائب طرابلس في هذه الواقعة :
وأضحى فم «الفوّارة» يصاعد جمرات أنفاس ، و «سوق النحّاسين» ، يرسل منه إلى سور الجامع (شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ ،) وأقعد «بيت السّاعات» إلى قيام السّاعة ، ودخل إلى باب الجامع لكن لغير طاعة ، وكاد يصلى من به يصلّي ، ويقبل على صفّ العابدين فيولي. واهتزّت المأذنة بحمّى نافض ، وتشعّث وجه المشهد الأبي بكري ، فكأنما أصابته عين الرّوافض ، وترقرقت عيون العابدين من الألم ، ورقّ صحن الجامع لمأتم هداة الساجدين من المأذنة بنار على علم ؛ وما زالت مرآة اللهب حتى خرّبت المنار ، وصفّ بعد ذلك في صحن الجامع ما فضل عن أكل النار.
قلت : وهذا المسجد معمور بالناس كلّ النهار وطرفي الليل ، لأنه ممرّ المدارس والبيوت والأسواق. وفيه ما ليس في غيره من كثرة الأئمّة والقرّاء ، ومشايخ العلم والإقراء ، ووجوه أهل التصدير والإفتاء ، ووظائف الحديث وقرّاء الأسباع ، والمجاورين من ذوي الصّلاح.
فلا تزال أوقاته معمورة بالخير ، آهلة بالعبادة. قلّ أن يخلو طرفة عين في ليل أو نهار من مصلّ ، أو جالس في ناحية منه لاعتكاف ، أو مرتّل لقرآن ، أو رافع عقيرته بأذان ، أو مكرر في كتاب علم ، أو سائل عن دين ، أو باحث في معتقد ، أو مقرر لمذهب ، أو طالب كل مشكل : من سائل ومسئول ، ومفت ومستفت.
هذا إلى من يأتي هذا المسجد مستأنسا لحديث ، أو مرتقبا لقاء أخ ، أو متفرّجا في فضاء صحنه ، وحسن مرأى القمر والنجوم ليلا في سمائه. هذا إلى فسحة الفضاء وطيب الهواء وبرد رواقاته أوقات الهجير ، وحسن مرائي ميازيبه أحيان المطر ، وفي كل ناحية من وجهها قمر.
* * *