ثم يقسم النهر أربعة : اثنان عن اليمين واثنان عن الشمال ، مرفوعان على مجرى النهر في قرارة الوادي ، دائمة بمقسم معلوم.
وعليه ألفاف البساتين ممتدّة من الجانبين ، الى أن يمرّ على المكان المسمّى بالرّبوة. وقد بنى الملك العادل الشهيد نور الدّين محمود بن زنكي ، رحمهالله ، بها المقام المعروف بمهد عيسى (١). يقال إن مريم أوت إليه بولدها عيسى عليهالسلام ، وإن هذه الرّبوة هي المعنيّة بقوله تعالى : (وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ.)
ومنظر هذا الوادي [ط ٢ / ٤٣٩] من أعجب المناظر لتراكم الظلّ والماء ، وإظلال الشّمس والهواء ، وافتراش الجبلين المحدقين به في أرضه بالبنفسج ، تحت الأشجار المتمايلة على غصون البان ، تتفتّح بينهما خدود الورد ، وتفترّ مباسم الياسمين ، وتندلق ألسن السّوسن ، ويتجاوب فيها هدير الماء والحمام ، [ص ١٦٥ ب] وتتلاقى خيول النّسيمين : الطائر من الشّمال على منابت الشّيح ، ومن القبلة على الحدائق الفيح.
وإلى جانب هذا الوادي ، في قبليّه بشمال ، سطح (٢) يمتدّ على ظاهر المزّة كأنه قطعة بيداء مقفرة ينبت بها الشّيح والقيصوم ، وتتلاعب بها الصبّا والدّبور ، عرفت بصحّة الهواء وفسحة الفضاء ، فطاب به ما جاورها ، وصحّ لأجله ما قاربها.
__________________
(١) ذكر العمري مهد عيسى بالرّبوة في الجزء الأول من كتابه ، ١ : ٢٠٦ ـ ٢٠٨ ، لكن لم أنقل ذلك هنا على اعتباره يقتصر على المرويات الدّينية دون وصف ؛ وانظر رحلة ابن بطوطة أدناه ، وهو معاصر للعمري ؛ والإشارات إلى معرفة الزّيارات للهروي ، ١١.
(٢) يرد ذكر «سطح المزّة» موضع استسقاء أهل دمشق في مصادر العهد المملوكي بالقرنين الثامن والتاسع للهجرة ، كتاريخ ابن قاضي شهبة ويوميّات الشّهاب ابن طوق وكتب ابن طولون لكن المراد به كان مبهما ، إلى أن وضّحه لنا العمري هنا. ويمكننا تحديده للمرّة الأولى بأنه شرقي المزّة القديمة ، بما يشمل السّيلون (مشفى المواساة) وساحة المواساة وأول طريق الشيخ سعد ومبتدأ الطريق الآخذ إلى أوتوستراد المزّة وكفرسوسة جنوبا ، وإلى الجمارك شرقا. ويلاحظ بوضوح أن قرية المزّة القديمة تنخفض فعلا عن هذا السّطح.