وبالدّار الكبرى بها إيوانان متقابلان تطلّ شبابيك شرقيّهما على الميدان الأخضر الممتدّ ، وغربيهما على شاطيء الوادي المخضرّ ، والنّهر به كأنه ذائب الفضّة. وله الرّفارف العالية المناغية للسّحب ، تشرف من جهاتها الأربع على جميع المدينة والغوطة. والوادي كامل المنافع بالبيوت الملوكيّة والإصطبلات السّلطانية ، والحمّام ، والمنافع المكمّلة لسائر الأغراض.
وتجاه باب القصر باب يتوصل من رحبته إلى الميدان الشمالي ، وعلى الشّرفين المقدّم ذكرهما أبنية جليلة من بيوت ومناظر ومساجد ومدارس وربط وخوانق وزوايا وحمامات ، ممتدّة على جانبين ممتدّين طول الوادي (١).
وقد بنى في هذه السنين نائب السّلطنة (٢) بها على الشّرف القبلي منها جامعا بديعا ، تليه تربة ضخمة ، ودارا ملوكية. ومدّ قبالة الجامع سوقا لطيفا وحمّاما فائقا زاد المكان حسنا على حسن ، وإبداعا على إبداع.
وأما حاضرها الشمالي ، ويسمى العقيبة ، فهو مدينة مستقلّة بذاتها ذات جوامع ومساجد ومدارس وربط وخوانق وزوايا وأسواق جليلة وحمّامات. وبها ديار كثيرة للأمراء والجند.
وأما نهر دمشق ، وهو بردا ، فمجراه من عينين : البعيدة منهما دون قرية تسمّى الزّبداني ، ودونها عين بقرية تسمّى الفيجة بذيل جبل عزّتا ، والماء خارج من صدع في نهاية سفل الجبل ، وقد عقد على مخرج مائه قبو رومي البناء (٣) ، ثم ترفده منابع في مجرى النّهر.
__________________
(١) انظر ما تقدّم أعلاه من وصف هام للقصر الأبلق في نصّ الحميري. وكذلك وصفه ابن طولون في «ذخائر القصر» (مخطوط) ، والأيّوبي في «الرّوض العاطر» (نشرناه منه).
(٢) أي سيف الدّين تنكز النّاصري ، نائب دمشق بأيام النّاصر محمد ابن قلاوون ، تولى بين ٧١٢ ـ ٧٤٠ ه. الوافي بالوفيات للصّلاح الصّفدي ١٥ : ٤٢٣ ؛ الدّرر الكامنة لابن حجر العسقلاني ١ : ٥٥. بنى جامعه عام ٧١٨ ه ، بقي منه مئذنته البديعة ومحرابه والتّربة.
(٣) هذا صحيح ، فالبناء بيزنطي وفيه اسم الإمبراطور مرقيانوس (حكم ٤٥٠ ـ ٤٥٧ م) ، كما قرأته منقوشا باليونانية بداخل حرم النّبع ، وأوردته في بحث «خطط ريف دمشق».