فكان كتابه بحكم ذلك كله غنيا جدا ، يمتاز بسعة المادّة ودقّة الملاحظة وحسن الاختيار ، ويبدو فيه جليّا رأي المؤلّف وجهده وشخصيته ، فهو لا يكتفي بالجمع بل نجد فيه أثر ثقافته واضحا.
والمؤسف أن أثر العمري الكبير «مسالك الأبصار» البالغ في مخطوطاته الأصلية ٢٧ مجلدا (وفي بعض النسخ ٣٢) لم ينشر نشرة كاملة إلى يومنا هذا ، خلا الجزء الأول منه فقط الذي نشره بالقاهرة أحمد زكي پاشا عام ١٩٢٤ ضمن مطبوعات دار الكتب المصرية. وعدا ذلك ظهرت منه قطع متفرّقة نشرت أو نقلت إلى الفرنسية والإنكليزية والألمانية ، وغالب ما نشر أو نقل إلى هذه اللغات يتعلّق بالبلدان ، دون سواها من موادّ الكتاب.
ولقد كتب عنه كل من كاترمير وأماري وتيزنهاوزن وشيفر ، ونشر منه حسن حسني عبد الوهاب بتونس عام ١٩٢١ ما يخصّ أفريقية والمغرب والأندلس ، ونشر فرانتس تيشنر بلايپتسيك عام ١٩٢٩ قسما يتعلّق بمملكة الأتراك ، ونشر كلاوس ليخ في ألمانيا عام ١٩٦٨ قسما يتعلق بممالك بيت جنگيز خان ، ونشر أيمن فؤاد سيّد في القاهرة عام ١٩٨٥ قسما يتعلق بمملكة مصر والشّام والحجاز واليمن.
ونشرت دوروتيا كرافولسكي قسما عن قبائل العرب في بيروت عام ١٩٨٥ ، أتبعته بدراسة وافية بعنوان : «مسالك الأبصار ـ دولة المماليك الأولى» مع نصوص من أصول الكتاب المخطوطة ، صدرت في بيروت عام ١٩٨٦.
ثم قام الباحث التركي فؤاد سزگين بنشر نسخة مصوّرة من مخطوط الكتاب الأصلي المحفوظ بمكتبة قصر طوپ قاپى سرايى بإستانبول في ٢٧ جزءا ، أصدرها معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية بجامعة فرانكفورت عام ١٩٨٨ ـ ١٩٨٩. وفي أيامنا يقوم بإعادة نشر الكتاب المجمّع الثقافي في دولة أبو ظبي ، وننتظر أن يتمّ كاملا بطبعة علمية مستوفاة على غرار ما سبقه إلى النشر من موسوعات عصره ، مثل «نهاية الأرب في فنون الأدب» للنّويري ، و «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» للقلقشندي ، و «السّلوك لمعرفة دول الملوك» للمقريزي ، وغيرها.