شهد الصفدي بأن ابن فضل الله كان إمام وقته في معرفة الممالك والمسالك وخطوط الأقاليم ومواقع البلدان ، وهذا يبدو أوضح ما يكون فيما كتبه عن مصر والشّام وما عقده من موازنة بينهما. فقد أتيح له أن يعيش فيهما زمنا يبلغ نصف قرن بين ٧٠٠ ـ ٧٤٩ ه ، فتحدّث عنهما حديث المشاهد ووصفهما وصف العارف وتحرّى في كل ما كتبه الصحّة كما قال : «... لكوني من أهل هذه البلاد وتحت ظل ملوكها ، وربّيت أنا وآبائي في نعم سلاطينها. فمعاذ الله أن أقول إلا الحق ، أو يسطّر عني غير الصحيح ، لا سيّما فيما يتحدّث به جيل بعد جيل».
شرع العمري في تأليف «مسالك الأبصار» لمّا اعتقل وصودر ، أثناء التّرسيم (أي الإقامة الجبرية) الذي فرضه عليه السّلطان النّاصر محمد ابن قلاوون بمصر عام ٧٣٨ ه ودام حتى عام ٧٤٠ ه. واستمرّ يتابع تأليفه في داره بدمشق بجسر النّحّاس على نهر يزيد ، فمات كهلا عام ٧٤٩ ه في طاعون دمشق دون أن يتمّه. وجعله في قسمين : الأول في الأرض ، والثاني في سكّان الأرض.
ووصف العمري لدمشق جاء في فترة شهدت فيها المدينة ذروة بهائها ونموّها العمراني ، وانتشار الرّخاء والأمن ، خلال عهد النّاصر ونائبه بالشّام الأمير سيف الدّين تنكز النّاصري ، الذي ولي بالمدينة بين ٧١٢ ـ ٧٤٠ ه وكان من أدنى مقرّبي السّلطان ، ثم تغّير عليه النّاصر وأمر بإعدامه في عام ٧٤٠ ه. ويتّضح من خلال نصّ ابن فضل الله ، أنه قد كتب بعضه أيام تولّي تنكز ، بدلالة قوله : «وقد بنى في هذه السّنين نائب السّلطنة بها على الشّرف القبلي منها جامعا بديعا تليه تربة ضخمة ، ودارا ملوكية». أما البعض الآخر فقد أتمّه بعد مقتل تنكز ، فهو يذكره في أواخر نصّه عن الشّام ثم يردف بقوله : «رحمهالله».
ذكر العمري دمشق موطنه الأم في أماكن عدّة من كتابه ، أبرزها ما تحدّث به عن مسجدها في الجزء الأول ، ثم ما تحدّث به عنها مقايسا إياها بمصر. فعند ذكر القاهرة وأمورها وما فيها من وظائف وزروع وأنهار ورياحين ومبان ومدارس وما يتداول فيها من نقد ، نجده كلّما ذكر ما في مصر أردفه بما كان في الشّام.