__________________
وأحسن قبوله ، ولم يعتبه على شيء كان منه ، ووعده ومنّاه ..
ثمّ إنّه أحضره في يوم حفل ، فقال له : يا شدّاد! قم في الناس واذكر عليّا وعبه لأعرف بذلك نيّتك في مودّتي ، فقال له شدّاد : اعفني من ذلك ؛ فإنّ عليّا قد لحق بربّه ، وجوزي بعمله ، وكفيت ما كان يهمّك منه ، وانقادت لك الامور على إيثارك ، فلا تلتمس من الناس ما لا يليق بحلمك.
فقال له معاوية : لتقومنّ بما أمرتك به وإلاّ فالريب فيك واقع ، فقام شدّاد ، فقال : الحمد اللّه الذي فرض طاعته على عباده ، وجعل رضاه عند أهل التقوى آثر من رضا خلقه على ذلك ، مضى أوّلهم ، وعليه يمضي آخرهم. أيّها الناس! إنّ الآخرة وعدّ صادق يحكم فيها ملك قادر ، وإنّ الدنيا أجل حاضر يأكل منها البرّ والفاجر ، وإنّ السامع المطيع للّه لا حجّة عليه ، وإنّ السامع العاصي لا حجّة له ، وإنّ اللّه إذا أراد بالعباد خيرا عمّل عليهم صلحاءهم ، وقضى بينهم فقهاؤهم ، وجعل المال في أسخيائهم ، وإذا أراد بهم شرّا عمّل عليهم سفهاؤهم ، وقضى بينهم جهلاؤهم ، وجعل المال عند بخلائهم ، وإنّ من صلاح الولاة أن يصلح قرناؤها ، ونصحك ـ يا معاوية! ـ من أسخطك بالحقّ ، وغشّك من أرضاك بالباطل ، وقد نصحتك بما قدّمت ، وما كنت أغشّك بخلافه.
فقال له معاوية : اجلس يا شدّاد! فجلس ، فقال له : إنّي أمرت لك بمال يغنيك ، ألست من السمحاء الذين جعل اللّه المال عندهم لصلاح خلقه؟ فقال له شدّاد : إن كان ما عندك من المال هو لك دون ما للمسلمين فعمدت لجمعه مخافة تفرّقه ، فأصبته حلالا وأنفقته حلالا فنعم ، وإن كان ممّا شاركك فيه المسلمون فاحتجبته دونهم فأصبته اقترافا ، وأنفقته إسرافا ، فإنّ اللّه جلّ اسمه يقول : (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كٰانُوا إِخْوٰانَ الشَّيٰاطِينِ) [سورة الأسراء (١٧) : ٢٧].
فقال معاوية : أظنّك قد خولطت يا شدّاد! أعطوه ما أطلقناه له ليخرج إلى أهله قبل أن يغلبه مرضه ، فنهض شدّاد وهو يقول : المغلوب على عقله بهواه سواي .. وارتحل ولم يأخذ من معاوية شيئا. وكذلك في البيان والتبيين للجاحظ : ٥٩١.
أقول : يتجلّى واضحا وقاحة الطليق ابن الطلقاء في عدّ نفسه مماثلا ومقارنا مع أمير المؤمنين ، وقائد الغرّ المحجّلين في الفضل. إنّ التأمل في الجوّ الذي كان يعيشه المترجم ، والضغط الذي كان يقاسيه ـ هو والمؤمنين ـ من أئمّة الجور والضلال ، من
![تنقيح المقال [ ج ٣٤ ] تنقيح المقال](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4632_tanqih-almaqal-34%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
