الاستصحاب
ولا فرق في الحفاظ وحدة الحكم ووحدة ظرف ثبوته جعلاً بين أن يكون الظرف الوحداني طبيعي الزمان، أو حصة منه، كما لا فرق في تخصصه بحصة - بين كونه كذلك بدال واحد أو بدالين.
ومن البين أنه لو أمر باكرام زيد - مثلاً - في يوم الجمعة مطلقاً بحيث لوحظ يوم الجمعة ظرفاً لحكم وحداني متعلق بطبيعي الاكرام، فانه لا شبهة في وحدة الحكم واستمراره في ظرفه - وهو يوم الجمعة من دون تخصصه بحصة خاصة من طبيعي يوم الجمعة، مع أن كل يوم جمعة منفصل عن جمعة أخرى خارجاً .
فكذا لو أمر باكرام زيد في طبيعي الزمان ما عدا الجمعة، فانه ظرف واحد، وان تخلل العدم بين أزمنة ثبوت الحكم خارجاً، وإلا فلوبنى على ملاحظة الخارج، المزم من تقييده من أول الأمر مثلاً - مع ظهور القضية في ثبوت الحكم بالوفاء من حين انعقاد العقد تبعض الواحد وتجزى البسيط، والواحد لا يتبعض، والبسيط لا يتجزى، وحيث أنه ليس الثبوت الخارجي ملاك الوحدة، والتعدد، والاستمرار، والانقطاع، بل الثبوت في مرحلة الجعل، فكما لا تعدد، ولا انقطاع في هذه المرحلة، كذلك لا تبعض ولا تجزي
ومن جميع ما ذكرنا تبين صحة الاستدلال باصالة الاطلاق عند الشك في تقييد زائد، ولا مجال للاستصحاب في هذا القسم، كما لا مجال له في القسم الآخر المبني على كون الزمان ملحوظاً بنحو التقطيع الموجب لتعدد الحكم والموضوع جعلاً، فتدبره فانه حقیق به .
ولبعض أعلام العصر تقريب برهاني لعدم جواز الاستدلال بالعام بل حمل عليه كلام الشيخ الأعظم (قدس سره ) . ٢
محصله : إن استمرار الحكم من العوارض المتأخرة عن ثبوت الحكم، ونسبته إليه كنسبة العرض إلى موضوعه، وما كان كذلك يستحيل أن يكون الدليل المتكفل لجعل الحكم متكفلة الأمر المتأخر عن جعل الحكم، فالعموم الزماني فوق دائرة الحكم، لا کا طلاق المتعلق تحت دائرة الحكم، فلا يعقل أن يكون لدليل الحكم إطلاق بالاضافة إلى الأمر المتأخر عن جعله ، بل لا بد من أن يكون بدليل آخر.
(۱) هو المحقق النائيني «قده» راجع فوائد الاصول : ج ٤ : التنبيه الثاني عشر، ص ١٩٩.
٢) الرسائل : ٣٩٥ «التنبيه العاشر».
حول نظرية المحقق النائيني
ومن البين - أيضاً - أن الدليل المتكفل لجعل الاستمرار، إنما هو بنحو القضية الحقيقية، التي موضوعها الحكم، ومحمولها الاستمرار والمحمول مرتب على ثبوت موضوعه، لا أنه متكفل لثبوته، لاستحالة تكفل الأمر المتأخر عن ثبوت شيء لثبوت ذلك الشيء مع أن ثبوته متفرع على ثبوته .
وعليه - فلا يمكن التمسك باطلاق دليل الحكم، حيث لا يعقل إطلاقه، ولا يمكن التمسك بدليل الاستمرار، لأن ثبوت موضوعه مشكوك على الفرض، للشك في التخصيص بعد خروج الحكم في أحد الازمنة . هذا ملخص مرامه .
أقول : أما عدم تكفل دليل الحكم لاستمراره، فتوضيح الجواب عنه :
إن الاستمرار تارة مساوق للبقاء، الذي هو فرع وحدة الوجود، المتحد مع الايجاد بالذات، فلا يعقل أن يكون مجعولاً بجعل آخر؛ لأن تعدد الجعل يقتضي تعدد المجعول، والتعدد مناف للبقاء؛ إذ لا تعدد إلا بفرض تخلل العدم، ومعه يكون الموجود الثاني حادثاً آخر، لابقاء للحادث الأول. وحديث تأخر الاستمرار عن ذات المستمر في الاستمرار بمعنى البقاء لا يضر شيئاً؛ لأن البقاء والحدوث عنوانان الموجود واحد، باعتبار سبقه بالعدم، وعدم عروض العدم عليه، فكما أن تأخر عنوان الحدوث لا يستدعي جعلاً آخر، بل يستحيل اقتضاؤه له، كذلك تأخر عنوان البقاء. وهذا المعنى لا تفاوت فيه بين الموجودات التكوينية والموجودات التشريعية، والجاعل كما يجعل ملكية موقتة، كذلك يجعل ملكية لا موقتة، بل مرسلة بجعل واحد، وكذا الزوجية الموقتة، والزوجية الدائمة، فكذا اعتبار الايجاب والتحريم، فينشئ وجوباً موقتاً تارة ووجوباً مرسلا ممتداً أخرى .
واحتياج الممكن إلى العلة - في بقائه كاحتياجه إليها في حدوثه - لا يقتضي تعدد الجعل ، بل يقتضي بقاء الجعل ببقاء علته المتقوم بوجودها وجود المعلول .
وأخرى - يكون الاستمرار بلحاظ الكون النسبي، الذي هو من مقولة (متى) وهي من الاعراض القائمة بموضوعاتها ، فليس تأخرها عن الحكم تأخر العنوان عن المعنون، بل تأخر العرض عن موضوعه، إلا أن تأخر العرض عن موضوعه تأخر بالطبع لا تأخر عن الموضوع بالزمان .
بل لا يعقل أن يكون تأخر الكون النسبي الزماني بالزمان، وإلا لم يكن له - في زمان - ذلك الكون النسبي.
ومن البين - أيضاً - إن الأمر المتقدر بالزمان يستحيل أن ينفرد كونه النسبي
![نهاية الدّراية في شرح الكفاية [ ج ٥ ] نهاية الدّراية في شرح الكفاية](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4595_Nahayah-Derayah-part05-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
