الاستصحاب
شاء الله تعالى: إن منشأ الانتزاع - باعتبار قيام حيثية القبول به بقيام انتزاعي - يصح حمل العنوان المأخوذ منه على المنشأ، مع أن الجزء والشرط لا يحمل إلا على ذات الجزء والشرط ، لا على الطلب المتعلق بمجموع الأمور.
فالطلب والايجاب مصحح انتزاع الجزئية من الجزء، لا منشأ انتزاعها بمعنى أن الفاتحة مثلاً ليست في حد ذاتها بحيث يصح أن ينتزع منها البعضية للمطلوب، وإنما اكتسبت هذه الحيثية بتعلق الأمر بمجموع أمور منها الفاتحة، فهي في هذه الحالة قابلة لانتزاع البعضية.
فمعنى جعلها يجعل الأمر بهذا الوجه لا يجعل منشأ انتزاعها، بل يجعل مصحح انتزاعها إلا بالواسطة ، بتقريب أن جعل الموضوع تشريعاً بجعل حكمه، وجعل الأمر الانتزاعي من الموضوع التشريعي، يجعل الموضوع، فجعل الحكم جعل للأمر الانتزاعي بالواسطة .
هذا ما لزم بيانه في توضيح كلامه، وتنقيح مرامه - زيد في علو مقامه - إلا أن هذا الجعل الانتزاعي ليس من الجعل التشريعي المفيد لوجهين :
أحدهما - ما اشرنا إليه في باب البراءة ، وهو أن الجزئية الانتزاعية ليست من لوازم المجعول التشريعي - بما هو مجعول تشريعي - بل من لوازمه بما هو مجعول تكويني، لما عرفت من أن كل مجعول تشريعي مجعول تكويني، فله حيثيتان، حيثيته التكوينية، وحيثيته التشريعية.
فكما أن تعلق الطلب بفعل يصحح انتزاع الطالبيه من المولى، والمطلوب منه من المكلف، والمطلوب من الفعل، والموضوعية من الفعل، والمحمولية من الحكم إلى غير ذلك من العناوين الانتزاعية، وليس شيء منها من لوازم المجعول التشريعي بما هو تشريعي، كذلك المائية والشرطية.
والوجه في ذلك أن الأمر بالمجموع وبالخاص، وإن كان منبعثاً عن غرض قائم بالمجموع - اقتضاء و بالخاص - فعلاً - وكان لذوات الأجزاء دخل في الأول، وللفيد دخل في الثاني.
إلا أن الجزئية الانتزاعية، والشرطية الانتزاعية، غير منبعثتين عن غرض تشريعي ، ولا لهذين العنوانين دخل في الغرض لا اقتضاء ولا فعلاً - بل يستحيل دخلهما فيما هو
(۱) يعني ( لكن بالواسطة)
(۲) في دوران الأمر بين الأقل والأكثر تقدم في ج ٤ : التعليقة ٩٩ .
![نهاية الدّراية في شرح الكفاية [ ج ٥ ] نهاية الدّراية في شرح الكفاية](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4595_Nahayah-Derayah-part05-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
