وكان بينه وبين عثمان مشاجرة في مسألة من مسائل الزكاة ، فتحاكما عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم ، فحكم لأبي ذرّ على عثمان .. إلى أن قال قدّس سرّه : [وروي] لمّا اشتدّ إنكار أبي ذر على عثمان في بدعه وأحداثه ، نفاه إلى الشام ، فأخذ في النكير على عثمان ومعاوية في أحداثهما ، وكان يقول : واللّه إني لأرى حقا يطفأ ، وباطلا يحيا ، وصادقا مكذّبا ، وأثرة بغير تقى ، وصالحا مستأثرا عليه.
فكتب معاوية إلى عثمان : إنّ أبا ذر قد صرف قلوب أهل الشام وبغضك إليهم. فما يستفتون غيره ، ولا يقضي بينهم إلاّ هو.
فكتب إلى معاوية : أن احمل أبا ذر على ناب (١) صعبة وقتب ثمّ ابعث من ينجش به نجشا عنيفا ، حتى يقدم به علي .. إلى آخره.
__________________
علما عجز فيه ، وكان شحيحا حريصا ؛ شحيحا على دينه ، حريصا على العلم ، وكان يكثر السؤال فيعطى ويمنع ، أما أن قد ملئ له في وعائه حتى امتلائه فلم يدروا ما يريد بقوله [عليه السلام] : «وعى علما عجز فيه» ، أعجز عن كشف ما عنده من العلم ، أم عن طلب ما طلب من العلم إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم.
هكذا رواه سعد بلفظ سئل مبنيا للمجهول.
والظاهر أنّ قوله عليه السلام : «عجز الناس عنه» ، أنّه تعلّم علما كثيرا ووعى معارف جمّة عجز أن يعيها غيره ممّن هو مثله.
وقوله عليه السلام : «ثم أوكأ عليه ولم يخرج شيئا منه» ، أي أنّ ذلك العلم الذي وعاه كان ممّا لا تطيق حمله عقول الناس ، ولا تتحمل نفوسهم التصديق به ، فلذلك كتمه عنهم وستره عن أسماعهم. ويظهر منه أن ذلك العلم كان من الأخبار بالحوادث المستقبلة والمغيبات والفتن التي سوف تحدث بعد صاحب الرسالة صلى اللّه عليه وآله وسلّم ، ولما كان جلّ الناس منحرفين عن أهل البيت عليهم السلام لم يجد مساغا للإظهار ، أو أنّ عقول الناس كانت عاجزة عن حمل تلك العلوم ، ونفوسهم آبية عن تصديقها .. وإلاّ فهو يعلم بالمناهي الواردة لكاتم العلم!
(١) في الحجرية : باب ، وهو خطأ.
![تنقيح المقال [ ج ١٦ ] تنقيح المقال](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4591_tanqih-almaqal-16%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
