فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ اَلسِّنِينَ وَ اَلْحِسابَ مع انه لا تعلق للآية بسؤاله!! فإنه سأل عن الكلف، و الآية تبين الأهلّة و البدور، و المصلحة الداعية الى التهليل و التدبر، فانه عليه السّلام لو بيّن له حقيقة الأمر لصار ذلك من أعظم المطاعن عليه، و لذا صرف السائل الى حيث لا يدري و لا يتنبه و يظن انه جوابه.
أقول: لعل الوجه الثاني يرجع الى الأول، و جوابه عليه السّلام مرتبط بسؤال السائل كمال الارتباط، و لا مشاحّة في الأمثلة.
ثم قال: و قد تكون من جهة عسر برهانه و عجز السائل عن إدراكه و فهمه، بحيث لو برهن له كان بمنزلة مخاطبة العربي بالزنجي و الكردي، كما يشهد على ذلك ما رواه ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة، عند التعرض لبيان اخبارات أمير المؤمنين عليه السّلام بالملاحم ما لفظه:
و من ذلك ان تميم بن أسامة بن زهير بن دريد التميمي اعترضه و هو يخطب على المنبر يقول: سلوني قبل أن تفقدوني، فو اللّه لا تسألوني عن فئة تضل مائة أو تهدي مائة إلا أنبأتكم بناعقها و سائقها، و لو شئت لأخبرت كل واحد منكم بمخرجه و مدخله و جميع شأنه.
فقال له: كم في رأسي طاقة شعر؟!
فقال له: اما و اللّه إني لأعلم ذلك، و لكن أين برهانه لو أخبرتك به، و لقد أخبرتك بقيامك و مقامك، و قيل لي إن على كل شعرة من شعر رأسك ملكا يلعنك و شيطانا يستنفرك، و آية ذلك ان في بيتك سخلا يقتل ابن رسول اللّه و يحضّ على قتاله. فكان الأمر بموجب ما أخبر به، كان ابنه: الحصين - بالصاد المهملة - يومئذ طفلا صغيرا يرضع باللبن، ثم عاش الى ان صار من شرطة عبيد اللّه بن زياد، و أخرجه عبيد اللّه الى عمر بن سعد يأمره بمناجزة الحسين عليه السّلام و يتوعده على لسانه إن أرجأ ذلك فقاتل في صبحه اليوم الذي مدد فيه الحصين بالرسالة في ليلته. انتهى.
![مقباس الهداية في علم الدراية [ ج ٥ ] مقباس الهداية في علم الدراية](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4568_Meqbas-Hedayah-part05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
