و معانيها، فان للحديث ضوء كضوء النهار يعرف، و ظلمة كظلمة الليل تنكر (١) ، و لأهل العلم بالحديث ملكة قوية يميزون بها ذلك (٢) ، و ذلك أن للمباشرة مدخلا في فهم لحن صاحبه، و تمييز ما يوافق مذاقه عما يخالفه، أ لا ترى أن إنسانا لو باشر آخر سنتين، و عرف ما يحب و يكره، فادعى آخر انه كان يكره الشيء الفلاني، و هو يعلم بأنه كان يحبه، فمجرد سماعه للخبر يبادر الى تكذيبه (٣) .
و بالجملة من كانت له ملكة قوية، و اطلاع تام، و ذهن ثاقب، و فهم قوي، و معرفة بالقرائن، يميز بين الأصيل و الموضوع.
و قد اقتصر في البداية على جعل ركاكة اللفظ من جملة ما يستكشف به الوضع (٤) . و يمكن المناقشة فيه بمنع دلالة ركّة اللفظ فقط
__________________
(١) على حد تعبير الربيع بن خيثم التابعي حيث قال: ان من الحديث حديثا له ضوء كضوء النهار نعرفه به، و إن من الحديث حديثا له ظلمة كظلمة الليل نعرفه بها، كما ذكره في معرفة علوم الحديث: ٦٢، الباعث الحثيث: ٢٤٩ / ١ و غيرهما.
(٢) كما حكي عن الربيع بن خيثم ـ أيضا ـ و عن ابن الجوزي ـ كما في الباعث الحثيث: ٩٠ ـ انه قال: الحديث المنكر يقشعر له جلد الطالب للعلم و ينفر منه قلبه في الغالب، لاحظ أصول الحديث: ٢٦٤، و حكاه عن التوضيح: ٩٤ / ٢ شرح ألفية العراقي: ٢٤٩ / ١.
و قد اهتم بركة المعنى أكثر من ركة الألفاظ، لأن فساد المعنى أدل دليل على الوضع، و يحتمل في ركة اللفظ أن يكون رواه الراوي بالمعنى فغير الألفاظ و لم يفصح.
(٣) الكلام هنا للبلقيني كما حكاه في الباعث الحثيث: ٩٠ و غيره.
(٤) لاحظ البداية: ٥٥ [البقال: ١٥٥ / ١] و قد أخذه من التدريب: ٢٧٥ / ١.
![مقباس الهداية في علم الدراية [ ج ١ ] مقباس الهداية في علم الدراية](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4564_Meqbas-Hedayah-part01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
