و قد كانوا يرحلون الى المشايخ من أقصى البلاد لأجل ذلك، و ربّما ادعى بعضهم اتفاق ائمة الحديث قديما و حديثا على الرحلة الى من عنده الاسناد العالي، و قد أفتى جمع باستحباب الرحلة لذلك (١) ، و لا بأس به، لاندراجه في طلب العلم و التفقه المندوبين، و ذلك يغنينا عن التمسك له بحديث أنس في الرجل الذي أتى النبي (صلىاللهعليهوآله) و قال: (أتانا رسولك فزعم... كذا.. الحديث) [كما] صدر ذلك من بعضهم (٢) ، بتقريب أن طلب العلو في الاسناد لو لم يكن مستحبا لأنكر عليه سؤاله لذلك، و لأمره بالاقتصار على ما أخبره الرسول عنه.
فان فيه: إنه أجنبي عن مسألتنا، اذ لم يكن ذلك طلبا للعلو، بل كان شاكا في قول الرسول، فرحل حتى يتثبت و يطمئن بكون ما أخبر به الرسول من جانب النبي (٣) .
الثالث: ان في رجحان عالي السند على النازل مطلقا، أو
__________________
(١) كما صرح به الحاكم في معرفة علوم الحديث: ٥ـ٧ و غيره ممن سبق، و كذا العراقي في الفيته، و السخاوي في شرحها: ٥ / ٣، و مقدمة ابن الصلاح: ٩ـ٢٧٨.
(٢) كما استدل به الحاكم النيشابوري في معرفة علوم الحديث: ٥ـ٦، و هو أول من فعل ذلك ممن يعرف، و حكاه عنه غير واحد، و فصل القول به في فتح المغيث: ٥ / ٣ـ٦، و محاسن الاصطلاح: ٣٧٩ ـ من المقدمة ـ لابن الصلاح، بل قيل: إن في الاقتصار على النازل إبطالا للرحلة و تركا لها، كما فصلنا ذلك في مستدركنا ـ الآتي ـ رقم (٢٢٣): الرحلة في طلب الحديث.
(٣) لاحظ النووي في تقريبه و تبعه السيوطي في تدريبه: ١٦٠ / ٢ـ١٦١ و غيرهما.
![مقباس الهداية في علم الدراية [ ج ١ ] مقباس الهداية في علم الدراية](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4564_Meqbas-Hedayah-part01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
