مذهبهم كذلك في إيجاد جميع الموجودات من دون واسطة ، حتى أنهم ينسبون احتراق النار وتبريد الماء إلى الله ، من دون توسيط النار والماء ، وأنهما من الأسباب العاديّة . ويقولون : إنّ عادة الله جارية بإحراق الثوب عند تماسه للنار ، من دون أن يكون للنار مدخلية في الإحراق ، ويفرّقون بين الأفعال الاختيارية والاضطرارية ، بمجرد المقارنة للإِرادة ، وعدم المقارنة لها ، بلا مدخلية الإِرادة فيهما ، ويسمّون هذه المقارنة : بالكسب ، ويجعلون فعل العبد مخلوقاً الله ، ومكسوباً للعبد ، وشناعة هذا المذهب واضحة على كلّ أحد .
والثاني : أنّ أفعال العباد مفوضة إليهم ، بلا مدخلية للغير فيها ، وهذا مذهب أكثر المعتزلة ، وهذا المذهب مبني على أصلٍ واضح الفساد ، وهو أنّ الممكن يمكن أن يوجد في مرتبة إمكانه ، من دون أن يجب بالغير ، وقد ثبت بالبراهين القاطعة أنّ الممكن ما لم يصل إلى حدّ الوجوب لا يكون موجوداً ، ووجوب الفعل يكون بالإِرادة ، والإِرادة حادثة ، فتحتاج إلى علّة ومحدث حادث ، حتى تنتهي إلى واجب الوجود لذاته ، فلا يكون فعل العبد مفوضاً إليه ، وإذا كان المبني عليه باطلاً ، فيكون القول والبناء أيضاً باطلاً .
والثالث : مذهب المحقّقين من الإِمامية وجمهور الحكماء ، وهو أنّ أفعال العباد مخلوقة لهم بلا واسطة ، ومخلوقة لله مع الواسطة ، كترتب سائر الموجودات على الأسباب .
وفسّر المحقّق الطوسي في رسالة العلم الأمر بين الأمرين في أحاديث الأئمّة الطاهرين صلوات الله عليهم : لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين ، على ذلك المعنى ، ووضّح بطلان الأولين ، وصحّ هذا المذهب ، حيث أن الاحتمالات في الأفعال الصادرة عنهم لا تخلو من اُمور ثلاثة : الأول والثاني : وفسادهما ظاهر ، فتعيّن الثالث ، وهو المذهب الحق ، وحيث أنّ المقام لا يحتمل الأزيد من هذا المقدار، فالأخرى أن نتبرّك بذكر حديث
![كشف الأستار عن وجه الكتب والأسفار [ ج ١ ] كشف الأستار عن وجه الكتب والأسفار](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4543_Kashf-Astar-part01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
