البديهية عندهم لغرض تقوية الإقناع وتفريغ ما عندهم من الاعتراضات ؛ فإنَّ تفريغ ذهن المخاطب من الاعتراضات والمشوّشات أمر ضروري لإنجاح الحوار .
فعذوبة الكلمة ، وحسن الاُسلوب ، وجلالة المتكلّم ـ شخصية المحاور ـ ، وجمع مشاعر المخاطب وترغيبه ، أو قل : شدّه نحو المتكلّم من منتجات الحوار وأُمور أُخرى يمليها الذكاء وفطنة المحاور ، بالإضافة إلى ما تقدّم ذكره من النكات العلمية في الحوار ، والأُسس المنطقية كتوضيح محلّ الكلام ، وإزالة الإبهام ، وعفّة الكلام ، واستخدام ما يعطي النتيجة في ذهن المخاطب ، وغيرها .
وما هذا الكتاب إلاّ نموذجاً من الحوار الفكري الرصين الذي يمتاز باُسلوبه الدقيق اللّطيف ، فهو لا يجرح عواطف الآخرين ، ولا يمسّهم بالقول الجارح ، بل يعطيهم الكلمة الحسنة ويجادلهم بالتي هي أحسن ، ولا يذهب في استدلاله إلى غوامض الفلسفة ، ولا إلى طريقة علم الكلام إلاّ في الأُمور العقلية الواضحة التي صارت من العرفيات لوضوحها ، إن صحّ التعبير ، فقد اعتمد طريقة القرآن الكريم ، واُسلوب الحديث ، وكوّن دليله من الحديث والآيات القرآنية ، والعقليات العرفية ، لا الفلسفية ولا الكلاميّة .
فهو أوّلاً : حاول تفريغ ذهن المخاطب من كلّ سؤال قد يمنع من تصحيح الفكرة أو سماع الكلمة ، وبهذا فقد عبّد طريق الحوار حتّى يسهل الوصول للنتيجة ، فالمؤلّف ببراعة اُسلوبه وفطنته كأنّه يقرأ ذهن القارئ ، فهو يتسلسل مع القارئ بكلّ هدوء ويذكر الفكرة التي قد تحلّ في ذهن المخاطب مع الجواب عنها ، ثمّ يوضّح محلّ الكلام ، ويشرح المفردات ، وبعدها يأتي بالآيات القرآنية ، ثمّ الأحاديث الدالّة على المطلوب وخصوصاً
