بين السنيين والشيعيين من ناحية ثالثة ـ أقول أثر ذلك كله فى الاستقرار السياسى والاجتماعى فى العراق جملة ، وفى بغداد على جهة الخصوص. فلقد شهدت طفولة الشريف الرضى ـ وهو فى الثانية من عمره ـ الفتنة الكبرى التي حدثت بالكرخ سنة ٣٦١ ه ، فأرسل أبو الفضل الشيرازي ـ وزير معز الدولة البويهي ـ من طرح النار على دور أهل الكرخ ، فاحترقت أموال عظيمة واحترق جماعة من الرجال والنساء والصبيان فى الدور والحمامات. وكان جملة ما احترق ـ كما يروى المؤرخ ابن الجوزي ـ سبعة عشر ألف إنسان ، وثلاثمائة دكان ، وثلاثمائة وعشرين دارا ، ودخل فى جملة الإحصاء ثلاثة وثلاثون مسجدا (١) .
وما من شك فى أن هذا التفكك فى جسم الخلافة العباسية كان سببا فى اجتراء الأجانب عليها ، وطمع الأعاجم فيها ، ومهاجمتهم لها. أ لم يشهد مولد الشريف الرضى سنة ٣٥٩ ه دخول الروم أنطاكية الإسلامية ، فملكوا البلد ، وأخرجوا الشيوخ والعجائز والأطفال على وجههم حيث شاءوا ، وأخذوا الشباب من النساء والغلمان والصبيان فحملوهم على وجه السبي ، فكان عددهم أكثر من عشرين ألفا (٢) ؟
لقد فزع المسلمون لسقوط أنطاكية فى يد الروم على هذا النحو الفظيع ، ويروى المؤرخ يحيى بن سعيد أن الناس كان يخيل إليهم أنها لن تغلب.
ولم يكن سقوط أنطاكية أول صدع فى بناء الخلافة العباسية ، أو المملكة الإسلامية
__________________
(١) المنتظم فى تاريخ الملوك والأمم. لابن الجوزي. طبع حيدرآباد الدكن. ج ٧ ص ٦٠.
(٢) المصدر نفسه ص ٥١.
