عليه دون غيره ، دللنا بذلك على المبالغة فى الوعيد من الجهة التي هى أعرف عندنا ، ليقع الزجر بأبلغ الألفاظ ، وأدلّ الكلام على معنى الإيعاد. وقال بعضهم : أصل الاستعارة موضوع على مستعار منه ، ومستعار له ، فالمستعار منه أصل ، وهو أقوى : والمستعار له فرع ، وهو أضعف ، وهذا مطرد فى سائر الاستعارات. فإذا تقرر ذلك كان قوله تعالى : ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ ﴾ من هذا القبيل. فالمستعار منه هاهنا ما يجوز فيه الشغل وهو أفعال العباد ، والمستعار له ما لا يجوز فيه الشغل ، وهو أفعال الله تعالى ، والمعنى الجامع لهما الوعيد ، إلا أن الوعيد بقول القائل : سأتفرغ لعقوبتك أقوى من الوعيد بقوله : سأعاقبك ، من قبل أنه كأنما قال : سأتجرد لمعاقبتك ، كأنه يريد استفراغ قوته فى العقوبة له ، ثم جاء القرآن على مطرح كلام العرب ، لأن معناه أسبق إلى النفس وأظهر للعقل. والمراد به تغليظ الوعيد ، والمبالغة فى التحذير ... ]
ولا يقف الشريف الرضى عند هذا المدى من بيان الاستعارة فى هذه الآية ... ولكنه يمضى فى البيان نصف صفحة أخرى حتى يوفى البيان حقه ، ويبلغ البحث أجله. فأين هذه الإفاضة فى توضيح مغازى الكلام ومرامى القول فى هذه الآية من قول ابن قتيبة فى مجازها وهو لا يعدو ثلاثة أسطر ؟ .
على أن موازنة واحدة قد يكون فيها من الجور فى الحكم ما لا نرضى لأنفسنا به ، ونحن هنا لا نوازن قصد التعصب لرجل على رجل ، ولكن لنبين عن مدى التطور فى النظرة إلى تأويل القرآن الكريم والكشف عن مجازه ، ووجوه إعجازه. فأبو عبيدة فى القرن الثاني الهجري يوجز فى التأويل والتفسير إيجازا كان من طبيعة العصر الذي عاش فيه ، وابن قتيبة فى القرن الثالث يمد فى حبل البيان بما يوائم زمانه وما اقتضته سنة التدرج
