فلننظر كيف يوضح ابن قتيبة مجاز آية من القرآن ، وكيف يتناول الشريف الرضى هذه الآية بعينها وكيف يكشف عن المجاز فيها.
يقول ابن قتيبة فى مجاز قوله تعالى : ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ ﴾ وهى من سورة الرحمن : [ والله تبارك وتعالى لا يشغله شأن عن شأن. ومجازه : سنقصد لكم بعد طول الترك والإمهال. وقال قتادة : قد دنا من الله فراغ لخلقه ، يريد أن الساعة قد أزفت وجاء أشراطها ] (١) .
ويقول الشريف الرضى فى مجاز هذه الآية : [ وهذه استعارة. وقد كان والدي الطاهر الأوحد ذو المناقب أبو أحمد الحسين بن موسى الموسوي ـ رضى الله عنه وأرضاه ـ سألنى عن هذه الآية فى عرض كلام جرّ ذكرها ، فأجبته فى الحال بأعرف الأجوبة المقولة فيها ، وهو أن يكون المراد بذلك : سنعمد لعقابكم ، ونأخذ فى جزائكم على مساوئ أعمالكم ، وأنشدته بيت جرير كاشفا عن حقيقة هذا المعنى ، وهو قوله :
|
ألان وقد فرغت إلى نمير |
|
فهذا حين صرت لها عذابا ؟ |
فقال : فرغت إلى نمير ، كما يقول : عمدت إليها ، فأعلمنا أن معنى فرغت هاهنا معنى عمدت ، وقصدت. ولو كان يريد الفراغ من الشغل لقال : فرغت لها ولم يقل فرغت إليها. وقال بعضهم : إنما قال سبحانه : سنفرغ لكم ، ولم يقل : سنعمد. لأنه أراد : أي سنفعل فعل من يتفرغ للعمل من غير تمجيع (٢) فيه ، ولا اشتغال بغيره عنه ، ولأنه لما كان الذي يعمد إلى الشيء ربما قصر فيه لشغله معه بغيره ، وكان الفارغ له ـ فى الغالب ـ هو المتوفر
__________________
(١) تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص ٧٧.
(٢) التمجيع فى العمل : هو عدم أخذه مأخذ الجد.
