أ لا ترى أن أبا عبيدة في مجاز هذه الآية الكريمة أو فى تأويلها ـ لم يكن أكثر من نحوى إمام فى النحو ، يبين لنا كيف انتصب الشمس والقمر باسم الفاعل « وجاعل » . وأن اسم الفاعل لما أضيف إلى مفعوله الأول وهو كلمة الليل جرت بالإضافة ، على أن المعطوف على هذا المفعول الأول نصب لأن محله النصب.
أما الشريف الرضى فقد خرج فى هذه الآية من زمرة النحو والنحاة لأنه أديب شاعر بليغ يلتمس مواطن البلاغة والإعجاز فى الكلام ، فيبين لنا الفرق الدقيق بين فلق الصباح وشقه ، ولم قال الله : ﴿ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ ﴾ ولم يقل شاق الإصباح ؟ وما وجه الاستعارة فى قوله تعالى : ( وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا ) ؟ وكيف ينتفى المجاز عن هذا التعبير إذا فسرنا السكن بمعناه الحقيقي وهو السكون بعد الحركة ؟
وقد يقول قائل : إن الموازنة بين الشريف الرضى وأبى عبيدة فى مجازيهما للقرآن الكريم جائزة السبيل لأن سبيلهما فى المجاز غير واحدة ، فأبو عبيدة مفسر ( وجائز ) إلى معانى القرآن من أخصر طريق ، والشريف الرضى موضح لوجوه البلاغة والبيان فى القرآن. وفى هذا الكلام كثير من الحق الذي لا تنعقد معه موازنة بين اثنين مختلفى السبيل. ولكن ما ظن القارئ فيما عقده ابن قتيبة من مجاز بيانى واستعارة فى كتابه « تأويل مشكل القرآن » وما تناوله الشريف الرضى من مجازات القرآن فى كتابه « تلخيص البيان » الذي نقدمه اليوم ؟
إن ابن قتيبة لم يفهم « المجاز » على أنه التأويل والتفسير والجواز إلى المعنى كما فهمه أبو عبيدة من قبل ، ولكنه فهمه على أنه المجاز المقابل للحقيقة أو الذي تقوم العلاقة فيه على التشبيه ، وهو ما سماه ابن قتيبة نفسه بالاستعارة ، وعقد له بابا مستقلا فى كتابه « تأويل مشكل القرآن » .
