الواضحة مجالا لسائل ، أو محلا لمستوضح عن التعبير هنا بالخيط ؟ اللهم إنك واهب البيان ، ومعطى البلاغة بقدر لكلّ لسان ! .
ومثال آخر حتى تجرى الموازنة إلى مداها ... وهو قول أبى عبيدة فى تفسير قوله تعالى : ﴿ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ ﴾ من سورة آل عمران : [ تنقص من الليل فتزيد فى النهار ، وكذلك النهار من الليل ] (١) . فاسمع هنا قول الشريف الرضى فى مجاز هذه الآية الكريمة : [ وهذه استعارة ، وهى عبارة عجيبة جدا عن إدخال هذا على هذا ، وهذا على هذا. والمعنى : أن ما ينقصه من النهار يزيده فى الليل ، وما ينقصه من الليل يزيده فى النهار. ولفظ الإيلاج هاهنا أبلغ. لأنه يفيد إدخال كل واحد منهما فى الآخر ، بلطيف الممازجة ، وشديد الملابسة ] فنقص هذا من ذاك هو المعنى المشترك المردّد بين أبى عبيدة والشريف الرضى. أما النكتة البلاغية الدقيقة فى التعبير بلفظ الإيلاج بدلا من لفظ الإدخال ، فهو مراد بعيد جاء متأخرا عن عصر أبى عبيدة ، ولكنه لم يجد أحسن من الشريف الرضى فى التعبير عن لطف مسلكه ، ودقة سبيله.
وخذ أي آية شئت ـ أيها القارئ الكريم ـ من كتاب الله العزيز ، وتتبعها عند أبى عبيدة فى مجازه ، وعند ابن قتيبة فى مشكله ، وعند الشريف الرضى فى تلخيص بيانه ، فإنك مؤمن معنا فى النهاية بأن سليل البيت النبوي الكريم كان أغزر الثلاثة بيانا ، وأفصحهم لسانا ، وأبلغهم فى التعبير عن مرامى القرآن بعبارة أدبية مشرقة ناصعة ، يتضح فيها ذوق الأديب ، ورقة الشاعر ، وحسّ البليغ ، أكثر مما يتضح فيها فقه اللغوي ، وعلم النحوي ...
__________________
(١) مجاز القرآن ، لأبى عبيدة ص ٩٠.
