وهما يلتقيان بالمقاربة ، لا بالممازجة ، فبينهما حاجز يمنعهما من الانحراق (١) ويصدّهما عن الاختلاط.
ومعنى قوله تعالى : ﴿ لَّا يَبْغِيَانِ ﴾ أي لا يغلب أحدهما على الآخر ، فيقلبه إلى صفته ، إمّا الملح على العذب ، أو العذب على الملح. وكنى تعالى بلفظ البغي عن غلبة أحدهما على صاحبه. لأن الباغي فى الشاهد اسم لمن تغلّب من طريق الظلم بالقوة والبسطة ، والتطاول والسطوة.
وقد مضى الكلام على مثل هذه الاستعارة فيما تقدم. إلّا أن فيها هاهنا زيادة أوجبت إعادة ذكرها.
وقوله سبحانه : ﴿ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ [٢٢] وهذه استعارة. وقد تقدم الكلام على نظيرها. والمراد : وتبقى ذات ربّك وحقيقته.
ولو كان الكلام محمولا على ظاهره لكان فاسدا مستحيلا على قولنا وقول المخالفين. لأنه لا أحد يقول من المشبّهة والمجسّمة ، الذين يثبتون لله سبحانه أبعاضا مؤلفة (٢) ، وأعضاء مصرّفة إنّ وجه الله سبحانه يبقى ، وسائره يبطل ويفنى. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
ومن الدليل على أن المراد بوجه الله هاهنا ذات الله قوله سبحانه : ﴿ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ أ لا ترى أنه سبحانه لما قال فى خاتمة هذه السورة : ﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ﴾ قال : ﴿ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ [٧٨] ولم يقل ( ذو ) لأن اسم الله غير الله ، ووجه
__________________
(١) هكذا بالأصل ولعلها الانجراف أو الإغراق.
(٢) فى الأصل « ومؤلفة » بواو قبل الصفة. وهى زائدة من الناسخ.
