الله هو الله ، وهذا واضح البيان ، وقد مضى الكلام على هذا المعنى فيما تقدم.
وقوله سبحانه : ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ ﴾ [٣١] وهذه استعارة. وقد كان والدي الطاهر الأوحد ، ذو المناقب ، أبو أحمد الحسين (١) ، بن موسى الموسوي ، رضى الله عنه وأرضاه ، سألنى عن هذه الآية فى عرض كلام جرّ ذكرها ، فأجبته فى الحال بأعرف الأجوبة المقولة فيها. وهو أن يكون المراد بذلك : سنعمد لعقابكم ونأخذ فى جزائكم على مساوئ أعمالكم ، وأنشدته بيت جرير كاشفا عن حقيقة هذا المعنى. وهو قوله :
|
ألان وقد فرغت إلى نمير |
|
فهذا حين صرت لها عذابا |
فقال : فرغت إلى نمير ، كما يقول : عمدت إليها. فأعلمنا أن معنى فرغت هاهنا معنى عمدت وقصدت. ولو كان يريد الفراغ من الشغل لقال : فرغت لها ، ولم يقل فرغت إليها.
وقال بعضهم : إنما قال سبحانه : ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ ﴾ ولم يقل : سنعمد. لأنه أراد أي سنفعل فعل من يتفرغ للعمل من غير تمجيع (٢) فيه ، ولا اشتغال بغيره عنه ، ولأنه لما كان الذي يعمد إلى الشيء ربما قصّر فيه لشغله معه بغيره ، وكان الفارغ له ـ فى الغالب ـ هو المتوفّر عليه دون غيره ، دللنا بذلك على المبالغة فى الوعيد من الجهة التي هى أعرف عندنا ، ليقع الزجر بأبلغ الألفاظ ، وأدلّ الكلام على معنى الإبعاد.
وقال بعضهم : أصل الاستعارة موضوع على مستعار منه ومستعار له ، فالمستعار منه
__________________
(١) كان نقيب العلويين فى بغداد. وهو والد الشريفين : الرضى ، والمرتضى. وقد تعرض للقبض عليه من قبل عضد الدولة بن بويه سنة ٣٦٩ ه ثم أطلقه ابنه شرف الدولة بن بويه ، وعزل عن النقابة سنة ٣٨٤ ه ثم أعيد إليها سنة ٣٩٤ ه وأضيف إليه الحج والمظالم ، فلم يزل على ذلك إلى أن توفى ضريرا سنة ٤٠٠ ه فرثاه ولداه كما رثاه أبو العلاء المعرى ، ومهيار الديلمي ، وجماعة من الشعراء.
(٢) التمجيع : الممازحة والمماجنة فى العمل وعدم أخذه مأخذ الجد.
