وقوله تعالى : ﴿ ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ ، فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ [١١] . وهذه استعارة. فليس هناك ـ على الحقيقة ـ قول ولا جواب ، وإنما ذلك عبارة عن سرعة تكوين السموات والأرض. كما قال تعالى : ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ (١) ولو لم يكن المراد ما ذكرنا لكان فى هذا الكلام أمر للمعدوم ، وخطاب لغير الموجود. وذلك يستحيل من من فعل الحكيم سبحانه.
ومعنى قوله تعالى : ﴿ قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ أنهما جرتا على المراد ، ووقفتا عند الحدود والأقدار ، من غير معاناة طويلة ، ولا مشقة شديدة. فكانت فى ذلك جارية مجرى الطائع المميّز إذا انقاد إلى ما أمر به ، ووقف عند ما وقف عنده.
وقال بعضهم : معنى قوله سبحانه : ﴿ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ﴾ أي : كونا على ما أريد منكما من لين وشدة ، وسهل وحزونة ، وصعب وذلول ، ومبرم وسحيل (٢) .
والكره والشدة بمعنى واحد فى اللغة العربية. يقول القائل منهم لغيره : أنا أكره فراقك. أي يصعب علىّ أن أفارقك.
وقال سبحانه : ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ﴾ (٣) أي شديد عليكم. ومعنى الطوع هاهنا : التشهد (٤) والانقياد من غير إبطاء ولا اعتياص.
وإنما قال سبحانه : ﴿ قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ لأنه جعل السموات والأرض كلّها كالواحدة والأرض جميعا كذلك ، فحسن أن يعبر عنهما بعبارة الاثنين دون عبارة الجميع.
__________________
(١) سورة النحل الآية رقم ٤٠.
(٢) المبرم : الخيط أو الحبل الذي فتل فتلتين ، والسحيل : الحبل الذي فتل فتلا واحدا.
(٣) سورة البقرة. الآية رقم ٢١٦.
(٤) هكذا بالأصل. ولعلها التسهل.
