وأما قوله سبحانه : ﴿ قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ فكان وجه الكلام أن يكون طائعتين ، أو طائعات ردا على معنى التأنيث. فالمراد به ـ والله أعلم ـ عند بعضهم : قالتا أتينا بمن فينا من الخلق طائعين. فكان ( طائعين ) وصفا للخلق المميزين ، لا وصفا للسماوات والأرض.
وقال بعضهم : لمّا تضمّن الكلام ذكر السموات والأرض فى الخطاب لهما ، والكناية عنهما بما يخاطب به أهل التمييز ويكنى به عن السامعين الناطقين ، أجريتا فى رد الفعل إليهما مجرى العاقل اللبيب ، والسامع المجيب. وذلك مثل قوله تعالى : ﴿ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ﴾ (١) . ولو أجرى اللفظ على حقيقته ، وحمل على محجّته لقيل ساجدات. ولكن المراد بذلك لما كان ما أشرنا إليه حسن ، أن يقال ساجدين ، وطائعين.
وقوله سبحانه : ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ ﴾ [١٧] وهذه استعارة. والمراد بالعمى هاهنا ظلام البصيرة ، والمتاه فى الغواية. فإن ذلك أخفّ على الإنسان وأشد ملاءمة للطباع ، من تحمل مشاق النظر ، والتلجيج فى غمار الفكر.
وقوله تعالى : ﴿ وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [٢٣] وهذه استعارة. لأن الظن الذي ظنوه على الحقيقة لم يردهم بمعنى يهلكهم. وإنما أهلكهم الله سبحانه جزاء على ما ظنوه به من الظنون السيئة ، ونسبوه إليه من الأفعال القبيحة. فلما كان ذلك الظن سببا فى هلاكهم جاز أن ينسب إليه الهلاك الواقع بهم.
__________________
(١) سورة يوسف. الآية رقم ٤.
