وقوله تعالى : ﴿ بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا ﴾ [٣٣] . وهذه استعارة. والمراد بمكر الليل والنهار : ما يتوقع من مكرهم فى الليل والنهار ، فأضاف تعالى المكر إليهما لوقوعه فيهما. وفيه أيضا زيادة فائدة ، وهى دلالة الكلام على أن مكرهم كان متصلا غير منقطع فى الليل والنهار ، كما يقول القائل : ما زال بنا سير الليل والنهار حتى وردنا أرض بنى فلان. وهذا دليل على اتصال سيرهم فى الليل والنهار ، من غير إغباب ، ولا إراحة ركاب.
[ و] (١) قوله سبحانه : ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴾ [٤٦] وهذه استعارة. والمراد أنه عليهالسلام بعث ليقدّم الإنذار أمام وقوع العقاب ، إزاحة للعلة ، وقطعا للمعذرة. وقد تقدمت إشارتنا إلى نظائر هذه الاستعارة فى عدة مواضع من هذا الكتاب.
وقوله سبحانه : ﴿ قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ ﴾ [٤٩] وهذه استعارة. لأن الإبداء والإعادة يكونان فى القول ، ويكونان فى الفعل. فأما كونهما فى الفعل فبقوله سبحانه : ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ (٢) وأما كونهما فى القول فإن القائل يقول : سكت فلان فلم يعد ولم يبدئ. أي لم يتكلم ابتداء ، ولا أحار جوابا. وهاتان الصفتان يستحيل أن يوصف بهما الباطل ـ الذي هو عرض من الأعراض ـ إلا على طريق الاتساع والمجاز.
وإنما المراد أن الحق قوى وظهر ، والباطل ضعف واستتر ، ولم يبق له بقية يقوى بها
__________________
(١) ليست هذه الواو بالأصل. وقد نسيها الناسخ.
(٢) سورة الروم. الآية رقم ٢٧.
