بالعمى والضلال. وإنما جعلت القلوب هاهنا بمنزلة العيون ، لأن بالقلوب يوصل إلى المعلومات ، كما أن بالعيون يوصل إلى المرئيات. ولأن الرؤية (١) ترد فى كلامهم بمعنى العلم. ألا تراهم يقولون : هذا الشيء منى بمرأى ومسمع. أي بحيث أعرفه وأعلمه ، ولا يريدون بذلك نظر العين ، ولا سمع الأذن.
وفى قوله سبحانه : ﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ ﴾ معنى عجيب ، وسر لطيف. وذلك أن سبحانه لم يرد نفى العمى عن الأبصار جملة. وكيف يكون ذلك وما يعرض من عمى كثير منها أشهر من أن نومئ (٢) إليه ، وندل (٣) عليه ؟ وإنما المراد ـ والله أعلم ـ أن الأبصار إذا كانت معها آلة الرؤية من سلامة الأحداق ، واتصال الشعاعات لم يجز أن لا ترى ما لا مانع لها من رؤيته. والقلوب بخلاف هذه الصفة بها ، قد يكون فيها آلة التفكر والنظر من سلامة البنية ، وصحة الروية وزوال الموانع العارضة ، ثم هى مع ذلك لاهية عن النظر ، ومتشاغلة عن التفكر. فلذلك أفردها الله سبحانه بصفة العمى عن الأبصار على الوجه الذي بيّناه مع الفائدة.
فأما الفائدة فى قوله سبحانه : ﴿ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ [٤٦] والقلب لا يكون إلا فى الصدر ، فإن هذا الاسم الذي هو القلب لما كان فيه اشتراك بين مسمّيات كقلب الإنسان ، وقلب النخلة ، والقلب الذي هو الصميم والصريح. من قولهم هو عربىّ (٤) قلبا ، والقلب الذي هو مصدر قلبت الشيء أقلبه قلبا ، حسن أن يزال اللّبس بقوله تعالى : ﴿ الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ احترازا من تجويز الاشتراك.
__________________
(١) فى الأصل : « الروية » وهو تحريف سبق فى رقم ٣.
(٢) فى الأصل « يومى » بدون نقط.
(٣) فى الأصل : « ويدل » بدون نقط.
(٤) فى الأصل « عرى » وهو تحريف من الناسخ. وفى « الأساس » للزمخشرى : هو أعرابى قلب. أي محض واسط فى قومه.
