والتسخير ، فيحسن لذلك أن يسمّى ساجدا على أصل السجود فى اللغة ، لأنه الخضوع والاستكانة. أو يكون ذلك على معنى آخر ، وهو أن الذي يظهر فى الأشياء التي عدّدها ، من دلائل الصنعة ، وأعلام القدرة ، يدعو العارفين الموقنين إلى السجود ، ويبعثهم على الخضوع ، اعترافا له سبحانه بالاقتدار ، وإخباتا له بالإقرار. وذلك كما تقدّم من قولنا فى تسبيح الطير والجبال.
وقوله سبحانه : ﴿ فَالَّذِينَ (١) كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ ﴾ [١٩] وهذه استعارة. والمراد بها أن النار ـ نعوذ بالله منها ـ تشتمل عليهم اشتمال الملابس على الأبدان ، حتى لا يسلم منها عضو من أعضائهم ، ولا يغيب عنها شىء من أجسادهم.
وقد يجوز أيضا أن يكون المراد بذلك ـ والله أعلم ـ أن سرابيل القطران التي ذكرها سبحانه ، فقال ﴿ سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ ﴾ (٢) إذا لبسوها واشتعلت النار فيها صارت كأنها ثياب من نار ، لإحاطتها بهم واشتمالها عليهم.
وقوله سبحانه : ﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ ، وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ [٤٦] وهذه استعارة. لأن المراد بها ذهول القلوب عن التفكر فى الأدلة التي تؤدى إلى العلم. وذلك فى مقابلة قوله تعالى : ﴿ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ ﴾ (٣) فإذا وصف القلب عند تبيين الأشياء بالرؤية (٤) والإبصار ، جاز أن يوصف عند الغفلة والذهول
__________________
(١) فى الأصل : « والذين » بالواو ، وهو تحريف من الناسخ.
(٢) سورة إبراهيم. الآية رقم ٥٠.
(٣) سورة النجم الآية رقم ١١.
(٤) فى الأصل : « بالروية بدون همز الواو. وهو تحريف يضيع المعنى.
