وقوله سبحانه : ﴿ الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَن ذِكْرِي ﴾ [١٠١] وهذه استعارة. وليس المراد أن عيونهم على الحقيقة كانت فى غطاء يسترها وحجاز يحجزها. وإنما المعنى أنهم كانوا ينظرون فلا يعتبرون ، أو تعرض لهم العبر فلا ينظرون. ومن الدليل على ذلك قوله تعالى : ﴿ عَن ذِكْرِي ﴾ لأن الأعين لا توصف بأنها فى غطاء عن ذكر الله تعالى ، لأن ذلك من صفات ذوى العيون. وإنما المراد أن أعينهم كانت تذهب صفحا عن مواقع العبر ، فلا يفكرون فيها ، ولا يعتبرون بها ، فيذكرون الله سبحانه عند إجالة أفكارهم ، وتصريف خواطرهم. وهذا من غرائب القرآن وعجائبه ، وغوامض هذا الكلام ومناسبه.
وقوله سبحانه : ﴿ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾ [١٠٤] وهذه استعارة. وأصل الضلال ذهاب القاصد عن سنن (١) طريقه. فكأنّ سعيهم لما كان فى غير الطريق المؤدية إلى رضا الله سبحانه ، حسن أن يوصف بالضلال ، والعدول عن سنن الرشاد.
وقوله سبحانه : ﴿ أُولَٰئِكَ (٢) الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ﴾ [١٠٥] . وفى هذه الآية استعارتان إحداهما قوله سبحانه : ﴿ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ ﴾ وتأويل لقائه هاهنا على وجهين : أحدهما أن يكون فيه مضاف محذوف. فكأنه تعالى قال : ولقاء ثوابه وعقابه. أو جنّته وناره. والوجه الآخر أن يكون معنى ذلك رجوعهم إلى دار لا أمر فيها لغير الله سبحانه. فيصيرون إليها من غير أن يكون لهم عنها محيص ، أو دونها محيد. وذلك مأخوذ من مقابلتك الشيء من غير أن تصرف عنه وجهك يمينا ولا شمالا.
__________________
(١) فى الأصل « سر » وهو تحريف من الناسخ.
(٢) فى الأصل بدئت الآية بغير لفظة أولئك وهو تحريف من الناسخ.
