فأما قول الشاعر (١) .
|
يريد الرمح صدر أبى براء |
|
و يرغب عن دماء بنى عقيل |
فليس يصح حمله على مقاربة الفعل ، كما قلنا فى قوله سبحانه : ﴿ جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ ﴾ لأنه لا يستقيم على الكلام أن يقول : يكاد الرمح صدر أبى براء. وإنما ذلك على سبيل الاستعارة ، لأن صاحب الرمح إذا أراد ذلك كان الرمح كأنه مريد له. فأما قول الراعي يصف الإبل :
|
فى مهمه فلقت به هاماتها |
|
فلق الفئوس إذا أردن نصولا (٢) |
فإنه بمعنى مقاربة الفعل ، لأن الفئوس إذا فلقت فى نصبها قاربت أن تسقط ، فجعل ذلك كالإرادة منها. والنصول هاهنا مصدر نصل نصولا ، مثل وقع وقوعا. وهذا البيت من أقوى الشواهد على الآية.
وقوله سبحانه : ﴿ وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ﴾ [٩٩] وهذه استعارة. لأن أصل الموجان من صفات الماء الكثير ، وإنما عبّر سبحانه بذلك عن شدة اختلافهم ودخول بعضهم فى بعض لكثرة أضدادهم ، تشبيها بموج البحر المتلاطم ، والتفاف الدبا (٣) المتعاظل.
__________________
(١) لم ينسب هذا البيت لقائله فى « جامع أحكام القرآن » ج ١١ ص ٢٦ ، وكذلك لم ينسبه ابن مطرف الكناني فى كتابه « القرطين » طبع الخانجى ص ٢٦٩ واكتفى بما أنشده السجستاني عن أبى عبيدة. وكذلك لم ينسبه ابن قتيبة فى « تأويل مشكل القرآن » ولا « لسان العرب » . وأبو براء هو عامر بن مالك ولقبه ملاعب الأسنة. وترى أخباره فى « الشعر والشعراء » لابن قتيبة صفحات ٢٣١ ، ٢٣٥ ، ٢٩٥ ، ٣٤٠ ، ٣٤١. وقد كان البيت فى الأصل : « تريد الريح ... إلخ » فأصلحناه عن القرطبي وابن مطرف الكناني.
(٢) لم ينسب هذا البيت لقائله فى القرطبي ج ١١ ص ٢٦.
(٣) الدبا : الجراد الصغير ، أو النمل. والمتعاظل : المتراكب بعضه فى بعض
