الاستيلاء بالقدرة والسلطان ، لا بحلول القرار والمكان. كما يقال :
استوى (١) فلان الملك على سرير ملكه. بمعنى استولى على تدبير الملك ، وملك مقعد الأمر والنهى. وحسن صفته بذلك وإن لم يكن له فى الحقيقة سرير يقعد عليه ، ولا مكان عال يشار إليه. وإنما المراد نفاذ أمره فى مملكته ، واستيلاء سلطانه على رعيته.
فإن قيل : فالله سبحانه مستول على كل شىء بقهره وغلبته ، ونفاذ أمره وقدرته ، فما معنى اختصاص العرش بالذكر هاهنا ؟ قيل ـ كما ثبت ـ أنه تعالى رب لكل شىء. وقد قال فى صفة نفسه ، ﴿ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾ (٢) فإن قيل : فما معنى قولنا عرش الله ، إن لم يرد بذلك كونه عليه ؟ قيل كما يقال : بيت الله وإن لم يكن فيه ، والعرش فى السماء تطوف به الملائكة تعبدا ، كما أن البيت فى الأرض تطوف به الخلائق تعبدا.
وقوله سبحانه : ﴿ وَتَحِيَّتُهُمْ (٣) فِيهَا سَلَامٌ ﴾ [١٠] وهذه استعارة على بعض الأقوال. كأنّ المعنى أن بشراهم بالسلامة من المخاوف عند دخول الجنة تجعل مكان التحية لهم. لأن لكل داخل دارا تحية يلقى بها ، ويؤنس بسماعها. والسلام هاهنا من السلامة ، لا من التسليم.
__________________
(١) ومنه قول الراجز :
|
قد استوى بشر على العراق |
|
من غير سيف ودم مهراق |
انظر « القرطبي » ج ٧ ص ٢٢٠.
(٢) سورة التوبة. الآية رقم ١٢٩ ، والنمل الآية رقم ٢٦ ، والمؤمنون. الآية ٨٦ ، ونصها هنا ﴿ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾ .
(٣) فى الأصل « تحيتهم » بغير واو. والصواب « وتحيتهم » بالواو عطفا على ما قبلها ، وهو قوله تعالى : ﴿ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ﴾ .
