وتقنط من نزول الرحمة ، فتكون بذلك كالشيء الزائغ بعد الاستقامة ، والمستمال بعد الثبات والرصانة.
ومن الدليل على ذلك قوله تعالى بعد هذه الآية : ﴿ حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ، وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ ﴾ [١١٨] فهذه أيضا استعارة. لأن النفس بالحقيقة لا توصف بالضّيق والاتساع ، وإنما المراد بذلك المراد بالقول الأول من أنه عبارة عن انضغاط القلوب بشدة الكرب ، وبلوغها منقطع الصبر.
وقوله : سبحانه : ﴿ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ ، وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ﴾ [١٢٠] وهذه استعارة. والمراد بها أنهم لا ينبغى لهم أن يكرموا أنفسهم عما يبذل النبي صلىاللهعليهوسلم فيه نفسه ، ولا يحفظوا مهجهم فى المواطن التي تحضر فيها مهجته ، اقتداء به ، واتباعا لأثره. وهذه لفظة يستعملها أهل اللسان كثيرا ، فيقولون : رغبت بنفسي عن الضيم ، وأرغب بك يا فلان عن القتل ، أي أضنّ بنفسي عن أن تذل ، وأنفس بمثلك عن أن يقتل.
فالظاهر يدل على أنهم رضوا بنفوسهم عن نفس النبي صلىاللهعليهوسلم. والمراد : وما كان لهم أن يرغبوا بالنفوس. عن .... (١) التي ينزلها نفسه ويعرض فيها مهجته.
وقوله سبحانه : ﴿ وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا ، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ . وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ ، وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾ [١٢٤] ، [١٢٥] وهذه
__________________
(١) بياض بالأصل. ويصح أن توضع هنا كلمة المواطن ، أو المواضع ، أو المنازل ، أو ما إليها من هذا الباب.
