فكأنه جعل لهم من النار أمهدة مفترشة (١) وأغشية مشتملة ، فيكون استظلالهم بحرها ، كاستقرارهم على جمرها. نعوذ بالله من ذلك.
وقوله سبحانه : ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ ﴾ [٤٣] . وهذه استعارة. لأنه ليس هناك شىء يتأتى (٢) نزعه على الحقيقة. والمعنى : أزلنا ما فى صدورهم من الغل بإنسائهم إياه ، وبإحداث (٣) أبدال له تشغل أماكنه من قلوبهم ، وتشفع مواقعه من صدورهم. وقال بعض المفسرين : معنى ذلك : أهل الجنة لا يحسد بعضهم بعضا على علو المنزلة فيها ، والبلوغ إلى مشارف رتبها. والحسد : الغل.
وقوله تعالى : ﴿ وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [٤٣] وهذه استعارة خفية. وقد تكون استعارة خفية ، واستعارة جلية. وذلك أن حقيقة الميراث فى الشرع هو ما انتقل إلى الإنسان من ملك الغير بعد موته على جهة الاستحقاق. فأما صفة الله تعالى بأنه الوارث لخلقه كقوله : ﴿ وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ﴾ (٤) وكقوله : ﴿ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ (٥) فهو مجاز. والمراد : أنه الباقي بعد فناء خلقه ، وتقوّض سمائه وأرضه.
وقد استعمل ذلك أيضا فى نزول قوم ديار قوم بعدهم ، وأخذ قوم أموال قوم بعد إجلائهم وحربهم (٦) . فقال سبحانه فى هذه السورة : ﴿ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ﴾ [١٣٧] . وقال تعالى فى
__________________
(١) فى الأصل « مفوننه » وهو تحريف.
(٢) فى الأصل « يثانى » وهو تحريف.
(٣) فى الأصل « وبأحداب » وهو تحريف.
(٤) سورة القصص. الآية رقم ٥٨.
(٥) سورة آل عمران. الآية رقم ١٨٠ وسورة الحديد. الآية رقم ١٠.
(٦) فى الأصل « وحرمبم » وهو تحريف صوابه ما أثبتناه ، مما يجزم به السياق.
