ولا يخفى عليك أنّه إذا حُمل كلامهم على ما ذكرنا من نسيان الخبر ، لم يرد هذا الاعتراض أيضاً.
وليعلم أنّ حمل (إلاّ) على الاستثناء صحيحٌ على كلّ تقدير ، فحملها على غيره تكلّفٌ ، عنه غنيةٌ.
وما قيل : من أنّه إذا كان المعنى : انتفى الإله. على ما ذكر في جواب الأوّل من النظرين على الثاني ، فلا بدّ من أن يكون بمعنى (غير) ، وإلاّ لكان المعنى أنّ هذا الجنس ـ على تقدير عدم دخول هذا الفرد فيه ـ منتف ، فلا ينفي وجوده في ضمن أفراد هو داخل فيها ، فلا يفيد التوحيد ، فهو وهمٌ ، منشؤه الخلط بين ما قيل في (لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إلاّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا)(١) وبين هذا الكلام ، والفرق بينهما غير قليل(٢).
__________________
ذلك في كتاب الجعل : ص٤٠ ، و ٤٥ ـ ٤٦. عن كمال الدين محمّد اللاري (ت ٩٥١هـ) في شرح الزوراء.
(١) سورة الأنبياء/٢٢.
(٢) في قوله تعالى : (لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إلاّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا) ، قال العكبري في التبيان ٢/ ١٣١. قوله تعالى : (إلاّ الله) ، الرفع على أنّ (إلاّ) صفة بمعنى غير ، ولا يجوز أن يكون بدلاً ؛ لأنّ المعنى يصير إلى قولك : لو كان فيهما الله لفسدتا ، ... وقيل يمتنع البدل ، لأنّ ما قبلها إيجاب ، ولا يجوز النصب على الاستثناء لوجهين ؛ أحدهما : أنّه فاسد في المعنى ، وذلك أنّك إذا قلت : لو جاءني القوم إلاّ زيداً لقتلتهم ، كان معناه أنّ القتل امتنع لكون زيد مع القوم ، فلو نصبت في الآية لكان المعنى : أن فساد السماوات والأرض امتنع لوجود الله تعالى مع الآلهة ، وفي ذلك إثبات إله مع الله ، وإذا رفع على الوصف لا يلزم مثل ذلك ؛ لأنّ المعنى : لو كان فيهما غير الله لفسدتا.
![تراثنا ـ العدد [ ١٣٦ ] [ ج ١٣٦ ] تراثنا ـ العدد [ 136 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4521_turathona-136%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)