العشرة وما ضربت العشرة يعنى قوله تعالى (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ) انما هو نظير ضربت العشرة اذا كان المراد الكل الافرادى ونظير ما ضربت العشرة اذا كان المراد الكل المجموعى فتدبر قوله دام ظله العالى وسيجيء ان العموم قد يستفاد من جهة المقام وذلك كقوله تعالى (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ) ونحوه وسيأتي وجهه انشاء الله تعالى قوله دام ظله العالى ما يدعى كونها للعموم اه لا يخفى ان تانيث الضمير فى كونها باعتبار معنى الموصول وتذكير لفظ موضوعا باعتبار لفظه والمعنى انهم اختلفوا فى انه هل للعموم صيغة يدل عليه بالوضع فى لغة العرب ام لا فاثبته قوم وذهبوا الى ان للعموم صيغا يدل عليه بالوضع وان استعمالها فى الخصوص خلاف ما وضع له ونفاه جماعة وذهبوا الى ان الالفاظ المدعى وضعها للعموم موضوعة للخصوص واستعمالها فى العموم مجاز وذهب طائفة الى انها مشتركة بينهما لفظا وقيل بالتوقف وسيأتي ادلة الاقوال والتحقيق ما هو الحق والجواب عما عداه قوله دام ظله العالى فان العرف يفهمون اه لا يخفى ان مجرد فهم العرف العموم من الامثلة لا يجدى نفعا فيما نحن بسدد اثباته عن كون الالفاظ حقيقة للعموم لغة غاية الامر ثبوت الحقيقة العرفية وهو غير اللغوية اللهم إلّا ان يتمسك باصالة عدم النقل ولعل هذا هو مراد الاستاد دام ظله العالى فلا تغفل قوله دام ظله العالى ولقبضه ابن الزبعرى بكسر الزاء المعجمة وفتح الباء الموحدة من تحت والراء المهملة الرجل السيئ الخلق وقد يطلق على الرجل الكثير شعر الوجه والحاجبين واللحية وقد يقال الزبعرى بفتح الزاء المعجمة واسكان الباء وفتح العين المهملة وآخره ياء مشددة هكذا نقل بعضهم قوله دام ظله العالى فانما هو خروج عن الحقيقة لنكتة يمكن ان يكون النكتة فى ذلك هى تنزيل كلامه تعالى ومطابقته على وفق اعتقاد عبدة الاصنام حيث كانوا يزعمون انه تعالى مثل ما يعبدونهم من الاصنام فى عدم الشعور والادراك ولهذا اذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن كما نطق به كلامه فى سورة الفرقان ويمكن ان يكون النكتة فى الخروج عن الحقيقة الى المجاز هى اشارة الى ان فعله تعالى من بناء السماء ونحوه انما هو بمقتضى ذاته من غير متابعة شيء آخر بمعنى ان ذاته تعالى من حيث هى منشأ لوجود الاشياء من غير احتياجه الى شيء خارج عنها من العقل والادراك اذ ما يتصوّر من العلم والادراك هو عبارة عن عين ذاته تعالى وليس شيء منهما خارجا عنها بخلاف ساير اولى الالباب فان افعالهم بمعنى متابعة عقولهم الخارجة وادراكهم الحادثة ولهذا اعدل عن كلمة ما بمن بعد تلك الآية بعده اى حيث قال (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها) والحاصل انه تعالى حيث كان فى سدد تعداد افعاله عن ذاته المقدمة بكلمة ما ليكون اشارة الى ان افعاله بمجرّد مقتضى ذاته لا غير وحيث وصل الى تعداد افعال عباده عبّر عن ذاتهم بكلمة من ليكون اشارة الى ان افعالهم بمقتضى (١) عقولهم اذا فعلوا ما يصلح بحالهم وبمقتضى عدم متابعة عقولهم اذا فعلوا ما لا يصلح بحالهم كذا افاده فى الدّرس فليتدبر هذا وقد كتب بعد ذلك هنا حاشية وهى هذه ولعل النكتة فى قوله تعالى (وَالسَّماءِ وَما بَناها) والفقرات اللاحقة اما المماشاة مع الكفّار والمواقعة معهم حيث قالوا وما الرحمن أنسجد لما تامرنا وقولهم ذلك لمقايستهم ايّاه سبحانه بآلهتهم وذلك تنبيه على حمقهم ونفثهم حيث يعبدون الجمادات واما الاشارة الى ان السماء والارض والنفس بصفاتها واحوالها وذواتها مخلوقات غيرتيه ليشهد بعظم خالقها وكونه من اعلى مرتبة العلم والقدرة فلا يحتاج فى التعبير عنه الى لفظ دال على كونه ذا علم وادراك واما الاشارة الى ان صفاته تعالى عين ذاته فلا حاجة الى ان له فى افعاله الى صفة زائدة على ذاته ولذلك عبّر فى جواب القسم بكلمة من دون ما فقال (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها) اشارة الى ان الشركية والجنية نظر انما هما بسبب متابعة العقل ومخالفته فلا يجرى ذلك فى الخالق تعالى فنبه بالتعبير بمن على عدم احتياجه تعالى الى غيره واحتياجهم الى الغير ويمكن ان يكون الاشارة الى الصفة الى الخالقية والصّانعية لا الى الذات ليكون بمنزلة دعوى الشيء ببيّنة وبرهان فان ادراك علوّ مرتبته الذات من حيث هى ليس وظيفة كل احد بخلاف ملاحظة مرتبة الصفات وخصوصا صفات الافعال المسوسة للعامة واما احتمال كون كلمة ما مصدرية فهو لا يلائم قوله تعالى (فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها) مع
__________________
(١) متابعة.
