«وأما القسم الذى يمكن معرفة الصحيح منه : فهذا موجود كثير ولله الحمد وإن قال الإمام أحمد : ثلاثة ليس لها أصل : التفسير والملاحم والمغازى. وذلك لأن الغالب عليها المراسيل. وأما ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان» ثم ذكر الجهتين اللتين هما مثار الخطأ (وإحداهما) حمل ألفاظ القرآن على معانى اعتقدوها لتأييدها به ـ أقول : كجميع مقلدة الفرق والمذاهب فى الأصول والفروع المتعصبين لها فانهم قد جعلوا مذاهبهم أصولا والقرآن فرعا لها يحمل عليها ، وهذا شر أنواع البدع وتفسير القرآن بالرأى المذموم فى الحديث (والثانية) التفسير بمجرد دلالة اللغة العربية من غير مراعاة المتكلم بالقرآن ، وهو الله عزوجل ؛ والمنزل عليه والمخاطب به ـ وفصل ذلك بما يراجع فى محله.
فأنت ترى أن هذا الإمام المحقق جزم بالوقف عن تصديق جميع ما عرف أنه من رواة الإسرائيليات ، وهذا فى غير ما يقوم الدليل على بطلانه فى نفسه. وصرح فى هذا المقام بروايات كعب الأحبار ووهب بن منبه مع أن قدماء رجال الجرح والتعديل اغتروا بهما وعدلوهما. فكيف لو تبين له ما تبين لنا من كذب كعب ووهب وعزوهما إلى التوراة وغيرها من كتب الرسل ما ليس فيها شىء منه ولا حومت حوله؟ ـ وكذا ما نقل عن بعض التابعين ، وإن لم يذكر أنه أخذه عن أهل الكتاب ـ يعني بخلاف ما اتفق عليه أهل الرواية من علماء التفسير وغيره منهم ، فانه يكون أبعد من أن يكون عن أهل الكتاب. وإنما الوقف فيما ينقل نقلا صحيحا عن كتب الأنبياء كالتوراة والإنجيل التى عندهم ، لا نصدقهم فيه لاحتمال أنه مما حرفوا فيها ، ولا نكذبهم لاحتمال أنه مما حفظوا منها ، فقد قال تعالى فيهم : إنهم (أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ).
وأنت ترى أيضا أنه لم يجزم بما روى عن الصحابة (رض) من ذلك ، وإنما قال إن النفس اليه أسكن مما ينقل عن التابعين. لأن احتمال سماعه من النبى صلىاللهعليهوسلم أقوى من احتمال سماعه من بعض أهل الكتاب لقلة رواية الصحابة عنهم ، وهذا ينقض قول من أطلق الحكم بأن ما قاله الصحابى الثقة مما لا يعرف بالاستدلال
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)