قلوبهم ، ولذلك قرن سبحانه صفة الربوبية بصفة الرحمة وعبر عنها باسمين لا باسم واحد : اسم الرحمن الدال على منتهى الكمال فى اتصافه بها ، واسم الرحيم الدال على أنها من الصفات النفسيه المعنوية مع تعلقها بالخلق تعلقا تنجيز يا كقوله تعالى (٤ : ٢٨ (إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً) ٣٣ : ٤٣ (وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً) وبهذا التفسير ضممنا فى التفرقة بين الاسمين ما قاله المحقق ابن القيم إلى ما قاله شيخنا رحمهماالله.
وأما دلالة صفتى الربوبية والرحمة على جميع معانى صفات الأفعال الالهية فظاهر فان رب العباد هو الذى يسدى إليهم كل ما يتعلق بخلقهم ورزقهم وتدبير شؤونهم من فعل دلت عليه أسماؤه الحسنى كالخالق البارى المصور القهار الوهاب الرزاق الفتاح القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم الرقيب المقيت الباعث الشهيد المحصى المبدىء المعيد المحيى المميت المقدم المؤخر المغنى المانع الضار النافع وأمثالها. والرحمن فى ذاته الرحيم بعباده لا بد أن يكون توابا غفورا عفوا رؤوفا شكورا حليما وهابا
إذا علمنا هذا تجلت لنا حكمة وصف الله تعالى فى أول فاتحة الكتاب العزيز بالربوبية والرحمة الدالتين على جميع صفات الأفعال دون الحياة والقيومية الدالتين على صفات الذات وغيرها ـ وهى والله أعلم بمراده أن الفاتحة ينظر فيها من وجهين (أحدهما) ما دل عليه اسمها هذا أعنى كونها فاتحة ومبدأ للقرآن (وثانيهما) أنها قد شرعت للقراءة فى الصلوات كل يوم ، وكل منهما يناسبه البدء بذكر ربوبية الله ورحمته.
ذلك بأن القرآن كما قال الله فى أول سورة البقرة (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ) الخ الآيات. فهم الذين يتلونه حق تلاوته ، وهم الذين يتدبرونه ويتعظون به ، وهم (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ) فالمناسب فى حقهم أن تكون السورة الأولى وهى المثانى التى يثنونها دائما فى صلاتهم وفى بدء أورادهم القرآنية المسماة بالختمات مبدوءة بذكر الصفتين الجامعتين لمعانى الصفات التى تتعلق بتدبير الله سبحانه لشؤونهم ، وبعدله فى الحكم بينهم فيما يختصمون فيه ، وبمجازاتهم على أعمالهم ، وبرحمته لهم وإحسانه إليهم ،
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)