الدالتين على ما يجب عليهم من شكره وتخصيصه بالعبادة والاستعانة ، والتوجه إليه فى طلب كمال الهداية ، وهاتان الصفتان هما الربوبية والرحمة. فبدء فاتحة القرآن بذكرهما فى البسملة ثم فى أثناء السورة مرشد لما ذكر ، مذكر للمصلى وللتالى به. وكذا بدء كل سورة منه بالبسملة التى لم يوصف اسم الذات (الله) فيها بغير الرحمة الكاملة الشاملة. هو إعلام منه سبحانه بأنه أنزله رحمة للعالمين ، كما قال مخاطبا لمن أنزله عليه (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) ولذلك لم تنزل البسملة فى أول سورة التوبة التى فضحت آياتها المنافقين ، وبدئت بنبذ عهود المشركين ، وشرع فيها القتال بصفة أعم مما أنزل فيما قبلها من أحكامه
وهذا الذى شرحناه يفند زعم بعض المتعصبين الغلاة فى ذم الاسلام بالهوى الباطل أن رب المسلمين رب غضوب منتقم قهار ، ودينهم دين رعب وخوف ، بخلاف دين النصرانية الذى يسمى الرب أبا للاعلام بأنه يعامل عباده كمعاملة الأب لأولاده. وقد أشار شيخنا إلى هذا الزعم وفنده فى تفسير اسم الرب. وسنذكر فى فائدة أخرى المقابلة بين صلاة المسلمين بقراءة الفاتحة وصلاة النصارى بالصيغة المعروفة عندهم بالصلاة الربانية ، وثبت فى الحديث الصحيح إن الرب أرحم بعباده من الأم بولدها الرضيع ، وان جميع ما أودعه فى قلوب خلقه من الرحمة جزء من مائة جزء من رحمته تبارك وتعالى ويجد القارىء تفصيل القول فى سعة الرحمة الالهية فى تفسير قوله عزوجل (٧ : ١٥٦ (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) من سورة الأعراف.
(تفسير صفة الرحمة على مذهب السلف)
ما نقلناه عن شيخنا فى معنى الرحمة (ص ٤٦) تبع فيه متكلمى الاشاعرة والمعتزله ومفسريهم كالزمخشرى والبيضاوى ذهولا. ومحصله أن الرحمة ليست من صفات الذات أو صفات المعانى القائمة بذاته تعالى لاستحالة معناها اللغوى عليه فيجب تأويلها بلازمها وهو الاحسان فتكون من صفات الأفعال كالخالق الرازق. وقال بعضهم يمكن تأويلها بارادة الاحسان فترجع إلى صفة الارادة فلا تكون صفة مستقلة. وهذا القول من فلسفة المتكلمين الباطلة المخالفة لهدى السلف الصالح.
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)