آمن به ، وإن لم تكن أول سورة على الاطلاق فلا خلاف فى أنها من أوائل السور (كما مر فى المقدمة) ولم يكن المسلمون فى أول نزول الوحى بحيث يطلب الاهتداء بهداهم وما هداهم إلا من الوحى ، ثم هم المأمورون بأن يسألوا الله أن يهديهم هذه السبيل سبيل من أنعم الله عليهم من قبلهم ، فأولئك غيرهم ، وإنما المراد بهذا ما جاء فى قوله تعالى (فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ) وهم الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من الأمم السالفة. فقد أحال على معلوم أجمله فى الفاتحة وفصله فى سائر القرآن بقدر الحاجة. فثلاثة أرباع القرآن تقريبا قصص ، وتوجيه للأنظار إلى الاعتبار بأحوال الأمم ، فى كفرهم وإيمانهم ، وشقاوتهم وسعادتهم ، ولا شىء يهدى الانسان كالمثلات والوقائع. فاذا امتثلنا الأمر والإرشاد ، ونظرنا فى أحوال الأمم السالفة ، وأسباب علمهم وجهلهم ، وقوتهم وضعفهم ، وعزهم وذلهم ، وغير ذلك مما يعرض للأمم ـ كان لهذا النظر أثر فى نفوسنا يحملنا على حسن الأسوة والاقتداء بأخبار تلك الأمم فيما كان سبب السعادة والتمكن فى الأرض ، واجتناب ما كان سبب الشقاوة أو الهلاك والدمار. ومن هنا ينجلى للعاقل شأن علم التاريخ وما فيه من الفوائد والثمرات ، وتأخذه الدهشة والحيرة إذا سمع أن كثيرا من رجال الدين من أمة هذا كتابها يعادون التاريخ باسم الدين ، ويرغبون عنه ، ويقولون إنه لا حاجة اليه ولا فائدة له. وكيف لا يدهش ويحار والقرآن ينادى بأن معرفة أحوال الأمم من أهم ما يدعو اليه هذا الدين؟ (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ)
وههنا سؤال وهو : كيف يأمرنا الله تعالى باتباع صراط من تقدمنا وعندنا أحكام وإرشادات لم تكن عندهم ، وبذلك كانت شريعتنا أكمل من شرائعهم ، وأصلح لزماننا وما بعده؟ والقرآن يبين لنا الجواب وهو أنه يصرح بأن دين الله فى جميع الأمم واحد ، وإنما تختلف الأحكام بالفروع التى تختلف باختلاف الزمان ، وأما الأصول فلا خلاف فيها. قال تعالى (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ) الآية وقال تعالى (إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ) الآية. فالايمان بالله وبرسله وباليوم الآخر ، وترك الشر وعمل البر ،
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)