يوفه حقه ، أو يخشى أن لا ينجح فيه ، فيطلب المعونة على اتمامه وكماله ، فمن وقع من يده القلم على المكتب لا يطلب المعونة من أحد على إمساكه ، ومن وقع تحت عبء ثقيل يعجز على النهوض به وحده ، يطلب المعونة من غيره على رفعه ، ولكن بعد استفراغ القوة فى الاستقلال به ، وهذا الأمر هو مرقاة السعادة الدنيوية ، وركن من أركان السعادة الأخروية. (وثانيهما) ما افاده الحصر من وجوب تخصيص الاستعانة بالله تعالى وحده فيما وراء ذلك ، وهو روح الدين وكمال التوحيد الخالص ، الذى يرفع نفوس معتقديه ويخلصها من رق الاغيار ، ويفك إرادتهم من أسر الرؤساء الروحانيين ، والشيوخ الدجالين ، ويطلق عزائمم من قيد المهيمنين الكاذبين ، من الأحياء والميتين ، فيكون المؤمن مع الناس حرا خالصا وسيدا كريما ، ومع الله عبدا خاضعا (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً)
وأقول أيضا : إن عبادة الله تعالى هى غاية الشكر له فى القيام بما يجب لألوهيته ، واستعانته هى غاية الشكر له فى القيام يما يجب لربوبيته ، أما الأول فظاهر لأنه هو الإله الحق فلا يعبد بحق سواه ، وأما الثانى : فلأنه هو المربى للعباد الذى وهب لهم جميع ما تكمل به تربيتهم الصورية والمعنوية ومن هنا تعلم أن إيراد ذكر العبادة والاستعانة بعد ذكر اسم الجلالة الأعظم ، واسم الرب الاكرم ، انما هو لترتبهما عليهما من قبيل ترتيب النشر على اللف. والاستعانة بهذا المعنى ترادف التوكل على الله وتحل محله ، وهو كمال التوحيد والعبادة الخالصة. ولذلك جمع القرآن بينهما فى مثل قوله تعالى (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ)
فهذه الاستعانة هى ثمرة التوحيد واختصاص الله تعالى بالعبادة ، فان من معني العبادة : الشعور بأن السلطة الغيبية التى هى وراء الأسباب العامة ، الموهوبة من الله تعالى لعباده كافة ، هى لله وحده ، كما تنطق به الآية التى استشهدنا بها آنفا على قرن العبادة بالتوكل ، فمن كان موحدا خالصا لا يستعين بغير الله تعالى قط ، فما كان من أنواع المعونة داخلا فى حلقات سلسلة الأسباب كان طلبه بسببه طلبا من الله تعالى ، ولكنه يحتاج فى تحقق ذلك إلى قصد وملاحظة وشهود قلبي ، وما كان غير
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)