داخل فيها يتوجه فى طلبه إلى الله تعالى بلا واسطة ولا حجاب ، وبهذا البيان تعلم أنه لا منافاة بين التوحيد والتوكل وبين الأخذ بالاسباب واقامة سنن الله تعالى فيها ، بل الكمال والأدب فى الجميع بينهما ، فالسيد المالك إذا نصب لعبده وخدمه مائدة يأكلون منها غدوا وعشيا ، وجعل لهم خدما يقومون بأمرها ، لا يكون طلب الطعام منه إلا بالاختلاف إلى المائدة ، وإنما ينبغى أن لا يغفلوا بها وبخدمها عن ذكر صاحب الفضل الذى أنشأها بماله وسخر أولئك الخدم للآكلين عليها ، ولا عن حمده وشكره ، فهذا مثال مائدة الكون بأسبابه ومسبباته. والعبد إذا احتاج شيئا من الأشياء التى لم يجعلها سيده مبذولة لجميع عبيده فى كل وقت ، طلبه منه دون سواه ، فان أظهر الحاجة إلى غيره كان ذلك من قلة ثقته بمولاه ، وجعل ذلك الغير فى مرتبته أو أجدر منه بالفضل. هذا فى العبيد مع السادة الذين لهم نظراء وأنداد ، فكيف إذا كان العبد الذى يتوجه إلى غير مولاه ، لا يجد من يتوجه اليه سواه ، إلا أمثاله من العبيد المحتاجين إلى المولى مثله ، لأنه هو السيد الصمد ، الذى ليس له كفؤا أحد؟.
ثم إن لفظ الاستعانة يشعر بأن يطلب العبد من الرب تعالى الاعانة على شىء له فيه كسب ليعينه على القيام به ، وفى هذا تكريم للانسان بجعل عمله أصلا فى كل ما يحتاج اليه لإتمام تربية نفسه وتزكيتها. وإرشاد له إلى أن ترك العمل والكسب ، ليس من سنة الفطرة ولا من هدى الشريعة ، فمن تركه كان كسولا مذموما لا متوكلا محمودا. وبتذكيره من جهة أخرى بضعفه لكيلا يغتر فيتوهم أنه مستغن بكسبه عن عناية ربه ، فيكون من الهالكين فى عاقبة أمره
إذا تدبرت هذا فهمت منه نكتة من نكت تقديم العبادة على الاستعانة وهى أن الثانية ثمرة للأولى. ولا ينافى هذا أن العبادة نفسها مما يستعان عليه بالله تعالى ليوفق العابد للاتيان بها على الوجه المرضىّ له عزوجل. لا منافاة بين الأمرين لأن الثمرة التى يخرج من الشجرة تكون حاوية للنواة التى تخرج منها شجرة أخرى. فالعبادة تكون سببا للمعونة من وجه ، والمعونة تكون سببا للعبادة من وجه آخر ، كذلك الأعمال تكون الأخلاق التى هى منا شىء الأعمال ، فكل منهما سبب ومسبب وعلة ومعلول ، والجهة مختلفة فلا دور فى المسألة
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)