والموصلة لثمرته منه سبحانه دون سواه ، إذ لا يقدر على ما وراء الأسباب الممنوحة لكل البشر على السواء إلا مسبب الأسباب ، ورب الأرباب ، فقوله تعالى (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) متمم لمعنى قوله (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) لأن الاستعانة بهذا المعنى فزع من القلب إلى الله وتعلق من النفس به ، وذلك مخ العبادة ، فاذا توجه العبد بها إلى غير الله تعالى كان ضربا من ضروب العبادة الوثنية التى كانت ذائعة فى زمن التنزيل وقبله ، وخصت بالذكر لئلا يتوهم الجهلاء أن الاستعانة بمن اتخذوهم أولياء من دون الله ، واستعانوا بهم فيما وراء الأسباب المكتسبة لعامة الناس ، هى كالاستعانة بسائر الناس فى الأسباب العامة ، فأراد الحق جل شأنه أن يرفع هذا اللبس عن عباده ببيان أن الاستعانة بالناس فيما هو فى استطاعة الناس انما هو ضرب من استعمال الأسباب المسنونة ، وما منزلتها الا كمنزلة الآلات فيما هى آلات له ، بخلاف الاستعانة بهم ، فى شؤون تفوق القدر والقوى الموهوبة لهم ، والأسباب المشتركة بينهم ، كالاستعانة فى شفاء المرض بما وراء الدواء ، وعلى غلبة العدو بما وراء العدة والعدة ، فان ذلك مما لا يجوز الفزع والتوجه فيه إلى غير الله تعالى صاحب السلطان الأعظم ، على ما لا يصل اليه سلطان أحد من العالم.
ضرب الأستاذ الإمام مثلا لذلك الزارع يبذل جهده فى الحرث والعذق وتسميد الأرض وريها ، ويستعين بالله تعالى على إتمام ذلك بمنع الآفات والجوائح السماوية أو الأرضية ، ومثل بالتاجر يحذق فى اختيار الأصناف ويمهر فى صناعة الترويج ، ثم يتكل على الله فيما بعد ذلك. ثم قال : ومن هنا تعلمون أن الذين يستعينون بأصحاب الاضرحة والقبور على قضاء حوائجهم ، وتيسير أمورهم ، وشفاء أمراضهم ، ونماء حرثهم وزرعهم ، وهلاك أعدائهم ، وغير ذلك من المصالح ، هم عن صراط التوحيد ناكبون ، وعن ذكر الله معرضون
أرشدتنا هذه الكلمة الوجيزة (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) إلى أمرين عظيمين هما معراج السعادة فى الدنيا والآخرة. (أحدهما) أن نعمل الأعمال النافعة ونجتهد فى إتقانها ما استطعنا ، لأن طلب المعونة لا يكون إلا على عمل بذل فيه المرء طاقته فلم
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)