والمعصية وآثارهما ، وهى أن حالة الإنسان فى هذا الطور لا تكون عصيانا مستمرا شاملا ، ولا تكون هدى واجتباء عاما ـ كما كان يفهم لو اقتصر على ذكر توبة الله على آدم وهدايته واجتبائه ـ وإنما الأمر موكول إلى اجتهاد الإنسان وسعيه ، ومن رحمة الله تعالى به أن يجعل فى بعض أفراده الوحى ويعلمهم طرق الهداية ، فمن سلكها فاز وسعد ، ومن تنكبها خسر وشقى ، هذا هو السر فى إعادة ذكر الهبوط لا أنه أعيد للتأكيد كما زعموا.
قال تعالى (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً) أى فقد انتهى طور النعيم الخالص والراحة العامة وادخلوا فى طور لكم فيه طريقان : هدى وضلال ، إيمان وكفران ، فلاح وخسران (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً) من رسول مرشد وكتاب مبين (فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ) الذى أشرعه ، وسلك صراطى المستقيم الذى أحدده (فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) من وسوسة الشيطان ، ولا مما يعقبها من الشقاء والخسران (وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) على فوت مطلوب ، أو فقد محبوب ، لأنهم يعلمون بهذه الهداية أن الصبر والتسليم مما يرضى الله تعالى ويوجب مثوبته ، ويفتح للانسان باب الاعتبار بالحوادث ، ويقويه على مصارعة الكوارث ، فيكون له من ذلك خير عوض عما فاته ، وأفضل تعزية عما فقده.
قال الأستاذ الإمام ما مثاله : الخوف عبارة عن تألم الإنسان من توقع مكروه يصيبه ، أو توقع حرمان من محبوب يتمتع به أو يطلبه ، والحزن ألم يلم بالإنسان إذا فقد ما يحب ، وقد أعطانا الله جل ثناؤه الطمأنينة التامة فى مقابلة ما تحدثه كلمة (اهْبِطُوا) من الخوف من سوء المنقلب. وما تثيره من كوامن الرعب ، فالمهتدون بهداية الله تعالى لا يخافون مما هو آت ، ولا يحزنون على مافات ، لأن اتباع الهدى يسهل عليهم طريق اكتساب الخيرات ، ويعدهم لسعادة الدنيا والآخرة ، ومن كانت هذه وجهته ، يسهل عليه كل ما يستقبله ، ويهون عليه كل ما أصابه أو فقده ، لأنه موقن بأن الله يخلفه ، فيكون كالتعب فى الكسب ، لا يلبث أن يزل بلذة الربح الذى يقع أو يتوقع.
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
