ثم جاء الطور الثالث وهو طور العقل والتدبر ، ووزن الخير والشر بميزان النظر والفكر ، وتحديد حدود للاعمال تنتهى إليها نزعات الشهوات ، ويقف عندها سير الرغبات ، وهو طور التوبة والهداية إن شاء الله.
(وأقول الآن) إن توبة آدم عليهالسلام بناء على تفسير القصة بحمل الكلام على الحقيقة قد كانت بالرجوع إلى الله واعترافه مع حواء بظلمهما لأنفسهما وطلبهما المغفرة والرحمة منه تعالى ، لا بمجرد تدبر العقل ووزن الخير والشر بميزان الفكر الخ ما قاله شيخنا هنا تبعا لبعض علماء الاجتماع من المؤرخين ، وقد بين هو فى بحث الحاجة إلى الرسالة من رسالة التوحيد أن عقل البشر لا يستقل بوضع حدود للاعمال تنتهى إليها نزغات الشهوات ؛ ويقف عندها سير الأهواء والرغبات ، بل لا بد له من تشريع إلهى لذلك ، ولكنه أوجز هنا فترك المسألة مبهمة مظلمة ، وإننا نرى أن طور العقل والفكر قد بلغ فى هذا العصر مرتقى لم يعرف فى التاريخ ما يقربه ، ووضع علماؤه وحكماؤه شرائع وقوانين لإيقاف التنازع والتخاصم عند حد لا يتفاقم شره ، ثم نرى أعلم هذه الأمم ودولها مبعث الشرور والشقاوة ، والخبث والرياء والحروب والفتن ، فلا هداية إلا هداية الدين الإلهى الذى تذعن له الأنفس بمحض العبودية لله تعالى.
(قال) وبقى طور آخر أعلى من هذه الأطوار ، وهو منتهى الكمال وأعنى به طور الدين الإلهى والوحى السماوى الذى به كمال الهداية الانسانية. وبيانه فى قوله تعالى
(٣٨) (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (٣٩) (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أمرهم الله تعالى بالهبوط مرتين ، فالأولى بيان لحالهم فى أنفسهم بعد الهبوط من تلك الجنة أو الخروج من ذلك الطور وهو أن حالهم تقتضى العداوة والاستقرار فى الأرض والتمتع بها ، وعدم الخلود فيها ، والثانية بيان لحالهم من حيث الطاعة
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
